د.عبدالله الفايز
امتداداً لما سبق أن طرحته عن مدينة نيوم، وواثبت أنها ستبقى وستنجح وأن العائد على الاستثمار سيكون إيجابياً وسيفوق التوقعات، وأعود اليوم لأؤكد على أهمية عبقرية فكرة ومبادرة وموقع نيوم كقراءة جغرافية - إستراتيجية في دور المكان بوصفه محفزاً للابتكار والبنية الذكية في شمال غرب السعودية.
ويعود جزء من ذلك إلى دراسة واختيار الموقع الإستراتيجي لنيوم كعقدة لوجستية عالمية مبنية على الجغرافيا الاقتصادية والربط بين ثلاث قارات». وكيف أصبحت نيوم موقعا إستراتيجيا بين البحر الأحمر والصحراء، وعلى مفترق الطرق للربط بين ثلاث قارات وليشهد كيف يصنع المكان هوية مدينة مستقبلية منخفضة الانبعاثات.
ولأوضح هنا أهمية موقع نيوم ونظرية التمركز الجغرافي: كيف أسهم اختيار الموقع في تشكيل نموذج مدينة القرن الحادي والعشرين وكيف أن الموقع الجغرافي لنيوم سينجح كمنصة طبيعية لتجارب المدن الذكية والطاقة المتجددة وله قيمة الإستراتيجية في إعادة تشكيل شمال غرب المملكة» وكموقع إستراتيجي لمركز عالمي للطاقة والابتكار والاتصال.
تعد دراسة الموقع أحد أهم العوامل الحاسمة في نجاح المدن الحديثة، سواء كانت مدنًا تقليدية أو مدنًا ذكية تعتمد على التكنولوجيا والابتكار. فالموقع ليس مجرد مساحة تُبنى عليها المنشآت، بل منظومة متكاملة من الظروف الجغرافية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية، تؤثر بشكل مباشر في قدرة المدينة على النمو والتنافس والاستدامة. وقد أظهرت التجارب العالمية أن تجاهل هذا العامل الجوهري يؤدي إلى فشل المشاريع الكبرى مهما بلغت ضخامتها، بينما نجحت مدن أخرى لأنها اعتمدت على دراسات عميقة للموقع وشروطه وإمكاناته (Lynch, 2020; Hall, 2014)..
وتبرز مدينة نيوم كمثال حديث على مشروع ضخم يستند إلى دراسات موقعية صارمة، تعتمد على مساحات مفتوحة، وتضاريس متنوعة، وقرب من ثلاثة قارات، إضافة إلى امتلاكها خصائص مناخية وطبيعية فريدة. وقد أكدت تقارير التنمية الوطنية أن الموقع الجغرافي لنيوم يمنحها فرصًا تنافسية في الطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي. ومع إدراك قيمة الموقع وربطه بوضوح الأهداف الإستراتيجية يجعل من المتوقع أن تحقق المدينة نتائج إيجابية تتجاوز المتوقع، خصوصاً مع اعتمادها على نماذج مدن المستقبل وهندسة العلاقة بين الإنسان والمكان.
تعد مدينة نيوم واحداً من أكثر المشاريع الطموحة في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب حجمها أو رؤيتها المستقبلية، بل بسبب المنهجية الصارمة التي اتبعتها المملكة في اختيار موقعها. وجاء التحليل العلمي للخطوات التي سبقت إعلان موقع نيوم ليظهر بوضوح أن الاختيار لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة سلسلة طويلة من الدراسات المعمقة التي شارك فيها خبراء عالميون في الجغرافيا والجيولوجيا والاقتصاد والتخطيط الحضري والمناخ، الأمر الذي جعل من هذا الموقع اختياراً استراتيجياً محسوباً بدقة، ومختلفاً جوهرياً عن تجارب عالمية فشلت بسبب تجاهل التخطيط الموقعـي كما تشير الدراسات المتخصصة في تخطيط المدن (Hall, 2014؛ Lynch, 1981)..
وقد بدأ العمل على موقع نيوم بتحليل جغرافي وجيومورفولوجي واسع النطاق، شمل تنفيذ مسوحات ميدانية وجوية وفضائية للموقع، ودراسات تفصيلية للتضاريس والجيولوجيا وأنماط التربة والصخور. وقد ركّزت هذه الدراسات على فهم مدى استقرار الصفائح التكتونية في المنطقة، وابتعد المشروع عن أي خطوط للصدوع النشطة، الأمر الذي يُعد أحد أهم شروط بناء المدن الكبرى والمشاريع العملاقة كما توصي به الإرشادات الدولية للبناء في البيئات الحساسة (USGS, 2020). كما جرى تحليل طبيعة الانحدارات، تصريف المياه، والوديان، وتحديد المناطق الأكثر ملاءمة لتطوير بنية تحتية تحت الأرض، وهي من متطلبات مشروع «ذا لاين» الذي يعتمد على مفهوم المدينة الخطية ذات الخدمات المدمجة.
وشملت الدراسات المناخية عمليات رصد طويلة لسرعة الرياح واتجاهاتها، والإشعاع الشمسي، والرطوبة، والضباب البحري، وخصائص التبخر، من أجل تحديد مدى ملاءمة الموقع لمصادر الطاقة المتجددة. وقد أظهرت النتائج أن المنطقة تمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إضافة إلى رياح مستقرة تسهم في إنتاج طاقة نظيفة منخفضة التكلفة، وهو ما يتوافق مع التوجه العالمي نحو المدن المحايدة للكربون (IEA, 2022). كما أجريت دراسات تفصيلية حول التنوع البيولوجي والبيئات الحساسة وموائل الحياة الفطرية، ما أدى إلى وضع خرائط حساسية بيئية تسبق عمليات التشييد وتضمن استدامة التنوع الطبيعي. وعلى الجانب الاستراتيجي، جاء اختيار الموقع ليتسق مع موقع المملكة الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، ويوفر فرصاً ضخمة للتجارة، خصوصاً مع وجود البحر الأحمر الذي تمر عبره نسبة تتجاوز 13 % من التجارة العالمية (UNCTAD, 2021). وقد مكّن هذا العامل نيوم من أن تكون عقدة لوجستية عالمية، تجمع بين الموانئ البحرية والمطارات الحديثة والطرق الدولية الحيوية، ما يسمح بتطوير قطاعات النقل المتقدم، والطاقة الخضراء، والصناعات المستقبلية، وتكاملها في نظام اقتصادي واحد قادر على المنافسة الدولية.
ولم تغفل الدراسات الجوانب الاقتصادية المرتبطة بالموقع، إذ أجريت تحليلات دقيقة للسوق العالمي، وتحديد القطاعات التي يمكن لنيوم أن تنافس فيها، مثل التكنولوجيا الحيوية والروبوتات، والمدينة المعرفية، والطاقة الهيدروجينية، والسياحة الساحلية الجاذبة، وهي قطاعات تحتاج مواقع ذات خصائص بيئية وبحرية وجغرافية محددة. وقد أظهرت الدراسات أن الموقع قادر على خلق كتلة اقتصادية جديدة بالكامل خارج نطاق المدن التقليدية، وهي ميزة نادرة تشير إليها أدبيات الاقتصاد الحضري (Glaeser, 2011).. أما من الناحية التخطيطية، فقد اختير الموقع لأنه يسمح بإعادة تصميم مفهوم المدينة الحديثة، سواء عبر مفهوم المدينة الخطية في مشروع «ذا لاين»، أو عبر النماذج الصناعية الجديدة مثل «أوكساچون» أو الوجه السياحي الجبلي «تروجينا». وقد أثبتت التحليلات المكانية أن تضاريس الموقع تتيح إنشاء بيئة حضرية ذات بصمة كربونية منخفضة وبنية تحتية تحت سطح الأرض، بحيث تختفي المركبات تماماً، ويتحقق نموذج «صفر ازدحام - صفر انبعاثات - صفر شوارع»، وهو نموذج لم يسبق تطبيقه على نطاق حضري بهذا الحجم.
كما تضمنت مراحل اختيار الموقع دراسة موارد المياه، ومدى ملاءمتها لأنظمة التحلية منخفضة الانبعاثات، وتقييم الموارد الطبيعية المتاحة مثل المعادن والأملاح التي تدخل في الصناعات المستقبلية. وهذا يتسق مع ممارسات التخطيط المتقدم الذي يربط بين الموارد المحلية ونوع الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليها المدن الجديدة، كما هو موثق في دراسات بناء المدن المستدامة (Beatley, 2016).. وإلى جانب كل ما سبق، أجريت دراسات اجتماعية واقتصادية لتوقع أنماط السكان القادمين، وطرق بناء مجتمع جديد قائم على الابتكار، والتكامل الدولي، وتنوع المهارات، وهو ما يشكل جزءاً من البعد الإنساني للمشروع، وقد اعتمدت فرق التخطيط على منهجية المقارنة المعيارية مع تجارب دولية ناجحة مثل سنغافورة وشنزن وسيليكون فالي، بهدف صياغة إطار حاكم للموقع يتضمن خرائط المخاطر، وخرائط الحساسية البيئية، وخرائط الاتصال اللوجستي، وخرائط التنافسية، وهي أدوات ضرورية لضمان أن تكون المدينة قابلة للنمو المستدام على مدى عقود.
وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن اختيار موقع نيوم لم يكن خطوة منفردة، بل كان ثمرة واحدة من أكبر عمليات التحليل المكاني والهندسي والاقتصادي في تاريخ المشاريع العربية، شارك فيها عشرات الخبراء، واستُخدمت فيها أحدث تقنيات التصوير الفضائي، والتحليل المناخي، والنمذجة الجيوبيئية، وأدوات التخطيط الحضري المتقدم. ومن ثم فإن الموقع يمثل قراراً استراتيجياً مدروساً، وليس مجرد رؤية مبتكرة.
ويشير نجاح مشاريع عالمية مثل أكابولكو في المكسيك، التي اختير موقعها بعد دراسات دقيقة جمعت بين العوامل البيئية والاستثمارية، أو نجاح سنغافورة الحديثة التي بُنيت على استراتيجية مكانية تحوّل المناطق الساحلية المحدودة إلى مركز تجاري عالمي، إلى أن جودة اختيار الموقع هي العامل الأكثر حسماً في تحديد مستقبل المدن الجديدة (Yuen, 2019؛ Roberts, 2015)..
وبناءً على ذلك، فإن موقع نيوم يحمل إمكانات فريدة تجمع بين الاتصال العالمي، والاستدامة البيئية، والاستقرار الجيولوجي، والموارد الطبيعية، والبنية اللوجستية، والقدرة على إعادة تعريف مفهوم المدينة الذكية. وهو ما يجعل المشروع مرشحاً ليكون نموذجاً عالمياً في تخطيط الموقع، خصوصاً في ظل رؤية المملكة التي تهدف إلى بناء اقتصاد معرفي متنوع ومستقبلي.
في المقابل، يبين التاريخ العمراني أن المدن أو المشاريع الكبرى التي تُبنى في مواقع غير مناسبة أو تُزرع في بيئات غير مدروسة تصبح عرضة للفشل مهما كانت الطموحات. ومن أبرز الأمثلة بناء مفاعل نووي في الفلبين فوق خط زلازل نشط، وهو المشروع الذي كلف الدولة مليارات الدولارات قبل أن يُلغى تماماً بسبب المخاطر الجيولوجية التي كان يمكن كشفها بسهولة بدراسة موقعية دقيقة (Miller, 2015).
وتعد مدينة نيباردا (Naypyidaw) مثالًا آخر على التحدي بين الإرادة السياسية وثوابت التخطيط الحضري. فقد بُنيت المدينة في منطقة شاسعة تبلغ نحو 7 آلاف كم²، بتخطيط ضخم يركز على الطرق ذات العشرين مسارًا والمركبات الحكومية، لكنها فشلت في جذب السكان والحركة الاقتصادية، وأصبحت مدينة شبه خالية، قبل أن يضربها زلزال عام 2025 لتؤكد هشاشة الاختيار المكاني وغياب الحاجة الحقيقية للمدينة (Asian Dev. Review, 2026). كما يُظهر مطار ميرابل في مونتريال نموذجاً آخر لفشل اختيار الموقع، إذ أُنشئ ليكون محورًا جوياً ضخماً لأمريكا الشمالية، لكنه بُني بعيدًا عن الحركة العمرانية، وفشل في جذب شركات الطيران، ليتحول في النهاية إلى مطار للشحن فقط (Dempsey, 2018). ويُضاف إلى ذلك مشروع مدينة الملاهي الكبرى في أنقرة التي أُغلقت لاحقاً بعد فشلها في جذب الزوار نتيجة سوء اختيار الموقع، قبل تحويلها إلى حديقة عامة، مما يعكس أثر التخطيط المكاني غير المدروس في فقدان الجدوى الاقتصادية (Kara, 2022).
ويتضح من هذه الأمثلة أن الموقع يُمثل النواة التي تُبنى عليها قرارات التخطيط العمراني، والبنية التحتية، والوظائف الاقتصادية، وارتباط المدينة بجيرانها. فاختيار الموقع دون دراسة علمية شاملة - تشمل التحليل البيئي، الجيوفيزيائي، الاجتماعي، والاقتصادي - يؤدي إلى ضعف المدينة في مواجهة الظروف الطبيعية، أو المنافسة الاقتصادية، أو جذب السكان والمستثمرين. ومن أهم الأسئلة الموقعية التي يجب الإجابة عنها عند تأسيس مدينة جديدة هي: كيف يرتبط الموقع بالمدن المجاورة داخل الدولة وخارجها؟ ما قدرته على دعم النقل والمواصلات؟ ما هي ميزاته التنافسية مقارنة بالمراكز الحضرية الأخرى؟ وما الوظائف أو الصناعات التي يمكن أن يضيفها إلى النظام الحضري الوطني؟ (Friedmann, 2016; Batty, 2018).
وفي المقابل، تُبرز الأمثلة الناجحة قيمة الدراسة المستفيضة للموقع، كما في حالة مدينة أكابولكو في المكسيك، التي تم اختيار موقعها بعناية فائقة على خليج طبيعي محمي من العواصف البحرية، ومتصلة بمحاور نقل إقليمية، وقادرة على دعم اقتصاد سياحي قوي. وقد أدت هذه الدراسة العميقة للموقع إلى جعل أكابولكو واحدة من أهم الوجهات السياحية في أمريكا اللاتينية لعقود طويلة، رغم التحديات الأمنية التي ظهرت لاحقاً (Rodr?guez, 2017).
كما أن العديد من المدن العالمية الناجحة - مثلا كابولكو ، سنغافورة، وفانكوفر، وبرشلونة - لم تكن لتصل إلى مكانتها لولا دراسة الموقع بدقة مناخية وبيئية واقتصادية وتاريخية، وبناء أهداف واضحة تستغل نقاط القوة المكانية وتعالج نقاط الضعف (Hall الجزيرة Pain, 2019).. وكذلك تجربة سنغافورة التي تُعد مثالًا عالميًا رائدًا في توظيف الموقع الجغرافي لتحقيق نمو استثنائي. فقد استفادت الدولة من موقعها الاستراتيجي على مضيق ملقا، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، لتتحول من مدينة فقيرة في خمسينيات القرن الماضي إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والتقنيات المتقدمة. وتشير الدراسات إلى أن 90 % من نجاح سنغافورة يعود إلى استغلال موقعها كدولة محدودة المساحة ليس لديها خيار لمواقع اخرى.
وتظهر دراسة الموقع أيضًا كعامل رئيسي في النجاح الكبير لمدينة فانكوفر في كندا، التي أصبحت واحدة من أفضل المدن في العالم من حيث جودة الحياة والاستدامة. فقد اعتمد التخطيط الحضري لفانكوفر على فهم عميق للطبيعة الجغرافية للمدينة الواقعة بين المحيط الهادئ وسلسلة الجبال الساحلية، مما وفر بيئة مناخية معتدلة وموقعًا استثنائيًا للنقل البحري والتبادل التجاري مع آسيا. وتعكس سياسة «Downtown Living» التي اتُبعت منذ الثمانينيات إدراكًا عميقًا لقيمة الموقع، حيث جرى تطوير الواجهة البحرية بشكل يحافظ على البيئة، ويعزز الارتباط بين السكان والمكان، ويوفر شبكة نقل مترابطة تعتمد على المشي والدراجات والنقل العام، مما جعل المدينة نموذجًا عالميًا في الاستدامة (Punter, 2010).. ويمكن أيضًا الإشارة إلى تجربة برشلونة بعد أولمبياد 1992، وهي إحدى التجارب الأكثر شهرة في إعادة تشكيل مدينة بأكملها بناءً على إعادة توظيف الموقع. فقد ركزت الإستراتيجية على فتح المدينة نحو البحر عبر تطوير الواجهة البحرية التي كانت سابقًا منطقة صناعية مهملة. وقد أدى استغلال الموقع الساحلي لتطوير البنية التحتية السياحية والثقافية إلى تحويل برشلونة إلى أحد أهم المقاصد السياحية في أوروبا ونموذج عالمي في التخطيط الحضري (Marshall, 2016). وتظهر هذه التجربة أن إعادة قراءة الموقع، وليس فقط اختيار موقع جديد، قد تؤدي إلى نجاحات عمرانية واقتصادية هائلة. وان نيوم سترى النور كما خطط لها، مصحوبة بنجاح يُحاكى لدى الآخرين.