د.عبدالعزيز الجار الله
احتفلت الولايات المتحدة، السبت، في الرابع من يوليو، بمناسبة مرور 250 عامًا على اعتماد إعلان الاستقلال، في ذكرى تُعرف رسميًا باسم الذكرى نصف الألفية لتأسيس البلاد، أو «أميركا 250». وليست المناسبة مجرد عيد استقلال تقليدي، بل محاولة لصناعة احتفال وطني واسع يمتد على مدار عام، ويجمع بين التاريخ والسياسة والعروض العسكرية والمهرجانات والفعاليات الثقافية.
يعود سبب الاحتفال إلى الرابع من تموز -يوليو 1776، اليوم الذي اعتمد فيه إعلان الاستقلال، وهو النص الذي أعلن انفصال المستعمرات الأميركية عن بريطانيا، ورسَّخ في الذاكرة الأميركية فكرة تأسيس جمهورية تقوم على الحرية والحقوق والحكم الذاتي.
ولا يُراد للاحتفال الأمريكي أن يكون مجرد يوم للألعاب النارية، بل مناسبة لإعادة سرد قصة تأسيس الولايات المتحدة، من الحرب الثورية إلى إعلان الاستقلال، ومن رموز مثل فيلادلفيا، بوصفها مهد إعلان الاستقلال والدستور، وجبل راشمور، الذي ألقى منه ترامب خطابه، وتمثال الحرية، إلى المدن والولايات التي تريد إبراز مساهمتها في التاريخ الأميركي.
وفي السعودية سيكون عام 2027م قد مر على قيام وتأسيس الدولة السعودية الأولى يوم 22 فبراير عام1727 م نحو 300 سنة، كذلك هناك تاريخ آخر يعطي العمق التاريخي لدولتنا هو عام 850هـ/ 1446 م يوم تأسيس إمارة الدرعية، حيث تمكَّن جد آل سعود الأمير مانع بن ربيعة المريدي الحنيفي، من العودة إلى وسط هضبة نجد وتحديداً إلى الدرعية، أحد منابع وادي حنيفة، وإلى موطن قبيلته بنو حنيفة، إلى أسلافه في الموطن الأصلي قبل الإسلام، وقام الأمير مانع المريدي بتأسيس الدرعية عام 850هـ/ 1446م المدينة التي أصبحت العاصمة الأولى للدولة السعودية.
احتفالات التأسيس بمرور 300 سنة ليس للافتخار والزهو فقط، وإن كان هذا حق وطني، إنما من أجل الإعلان عن سجلنا التاريخي العودة لعام 1727، وأيضاً العودة إلى عام 1446م نحو (6) قرون من التأسيس، حتى نسمع العالم أن الدرعية لها إرث وطني طويل كانت عامرة كعاصمة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وأن التدمير الذي تعرضت له في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي عام 1233هـ/ 1818م. قد نهضت منه بفضل الله ثم بفضل قيادتها وشعبها لتكون اليوم عاصمة الثقافة السعودية، تحافظ على عمارتها التقليدية عمارة الحجر والطين كأكبر مدينة طينية، متداخلة مع البناء الحديث الذي بني بالطراز السلماني نسبة إلى العمارة التي تبناها الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله.
الاحتفال بمرور 300 سنة لقيام الدولة السعودية معزَّز بتاريخ مرور (6) قرون على تأسيس الدرعية 1446م يحقق أهداف رؤية السعودية 2030، ويساهم بإيصال صوت المملكة للداخل والخارج، بأننا لسنا دولة طارئة على الدول، ولا عيشنا كان على هامش الآخرين ندور في فلك الآخرين، بل كان للأجداد كفاح مرير لقيام وسيادة الدولة، لا نحتفل باستقلال، بل ببناء دولة استمدت جذورها من دولة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حين أقام عاصمتها بين حرات المدينة المنورة، ومن بعده دولة الخلافة الراشدة، الخلفاء الذين أسّسوا إمبراطورية كبرى حكمت نحو (40 %) من مساحة العالم الإسلامي الحالي.نعم، نحتفل حتى يرى ويسمع العالم أننا دولة تعود بجذورها إلى حقبة زمنية تعود للقرن الخامس عشر للميلاد، ونحتفل فخراً واعتزازاً بدولة تملك التاريخ والمساحة والاقتصاد والطاقة وقيادة يحضر في ذاكرتها ووعيها: التاريخ، وإنسان هذه الأرض الكريم.