عبدالكريم بن دهام الدهام
حين يتعلق الأمر بحماية الإنسان، فإن المملكة العربية السعودية لا تتعامل مع التحديات بردود الأفعال، بل بمنهجية متكاملة تقوم على التخطيط، والاستباق، والعمل المؤسسي. ومن هذا المنطلق، جاءت جهودها في مكافحة المخدرات نموذجاً وطنياً يجمع بين الحزم الأمني، والوعي المجتمعي، والتشريعات الرادعة، إدراكاً منها أن هذه الآفة لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تستهدف أمن المجتمع واستقراره ومستقبل أجياله.
وفي اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو من كل عام، تتجدد الرسالة السعودية بأن التصدي للمخدرات مسؤولية وطنية مستمرة، تستند إلى رؤية القيادة الرشيدة التي وضعت الإنسان في قلب التنمية، وجعلت الحفاظ على أمنه وسلامته أولوية لا تقبل التهاون.
ولذلك، لم تقتصر جهود المملكة على ملاحقة المروجين وضبط المهربين، بل اتجهت إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية والتوعية، وتمر بالتشريعات والضبط الأمني، وتنتهي بالتأهيل والعلاج، في إطار إستراتيجية شاملة تستهدف تجفيف منابع المخدرات، وملاحقة الشبكات الإجرامية، والتصدي لكل من يحاول استهداف المملكة أو شبابها بهذه السموم.
وقد أثبتت الأجهزة الأمنية السعودية، وعلى رأسها الجهات المختصة بمكافحة المخدرات، كفاءة عالية في إحباط محاولات التهريب، وتوجيه ضربات استباقية للشبكات الإجرامية، في وقت تتطور فيه وسائل التهريب والترويج بصورة متسارعة، ما يتطلب يقظة دائمة، وتطويراً مستمراً للأدوات والإمكانات.
وفي الآونة الأخيرة تم الاعتماد على منظومة متطورة لتعطيل المخططات التي تستغل المساحات الجوية من خلال الرادارات الذكية والحساسة ومسح الترددات اللاسلكية وأنظمة التشويش الإلكتروني المقاومة والسيطرة السيبرانية الحركية.
لكن نجاح المواجهة لا يعتمد على الجهد الأمني وحده، فالمخدرات لم تعد قضية أمنية فحسب، بل قضية مجتمع بأكمله. ومن هنا، تبرز أهمية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والاجتماعية، في بناء جدار من الوعي يحصّن الأبناء، ويمنحهم القدرة على التمييز بين الحقيقة والخداع، وبين الصديق الصادق ومن يستدرجهم إلى طريق الهلاك.
فالمخاطر اليوم لم تعد تأتي عبر المنافذ التقليدية فقط، بل أصبحت تتسلل عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، والحسابات الوهمية، التي تستخدم أساليب احترافية لاستهداف فئة الشباب، مستغلة فضولهم أو حاجتهم للانتماء، وهو ما يفرض على الأسرة أن تكون أكثر قرباً من أبنائها، وأكثر وعياً بما يحيط بهم في العالم الرقمي.
إن المملكة، وهي تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن حماية الشباب من آفة المخدرات هي حماية لمستقبل الوطن بأكمله. ولهذا، تستمر المبادرات التوعوية، وتتوسع الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والمؤسسات التعليمية والإعلامية، لترسيخ ثقافة الوقاية، وتعزيز المسؤولية المشتركة.
إن مواجهة المخدرات ليست معركة تنتهي بحملة أو مناسبة، بل هي مسؤولية يومية تتطلب تعاون الجميع، ويقظة الجميع، وإيمان الجميع بأن أمن المجتمع يبدأ من وعي أفراده. فحين تتكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية، تصبح المملكة أكثر قدرة على حماية مكتسباتها، وصون شبابها، وبناء مجتمع أكثر أمناً واستقراراً، بعيداً عن هذه الآفة التي لا تعرف حدودًا ولا تستثني أحداً.