د. راشد العبدالكريم
تمثلُ كلُّ نقلة تقنيّة -بالمفهوم العام- في حياة البشرية تحديا على مستويات كثيرة، فكرية، واجتماعية وتربوية وعملية. ويزداد التحدي بزيادة حجم تلك النقلة وعمقها. فالانتقال إلى تقنية (الطاقة البخارية) بعد الجهد اليدوي، دفع الصناعة والنقل دفعة قوية، وجاء معه بتحدياته، التي كثير منها كان مجرد تخوفات، أو تحديات حقيقية لكن الزمن والتكيف كانا كفيلين بمواجهتها.
الشيء نفسه يمكن أن يقال مع اختراع الكتابة، ثم اختراع المطبعة، والمحرك النفاث، ثم اختراع الحاسب، والإنترنت.
غالبا في كل نقلة نوعية، تزداد المخاوف، وتتعاظم التحديات، ويتضخم القلق بشأن المستقبل. لكن مع مرور الوقت تهدأ الأمور، وينجلي الغبار، وتتمايز الإيجابيات والسلبيات، وتقل التحديات، ليس بالضرورة لزوالها، لكن لأن الناس يتكيفون إيجابيا معها.
التحديات والمخاوف في هذه النقلات متقاربة غالبا. فهناك تخوف على الأيدي العاملة، ومصدر رزق الناس، وهناك تخوف على جودة العمل، وتخوف على قدرات الإنسان (الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية)، وعلى قيَمه، وتخوف من استغلال الأشرار له.
وقد منح الله البشرية (مثل جسم الإنسان) القدرة على التكيف والتعامل المنفعي مع ما يستجد في حياة الناس. فطالما أن التطور طبيعي فغالبا يأتي مع التطور تطور يسهل التكيف مع التطور الأول، ويقلل من مخاطرة، أو يلغيها. فالتطور إذا نشأ تدريجيا فإنه يُنشئ معه عوامل امتصاص آثاره الضارة، أو على الأقل عوامل التخفيف من آثاره الضارة، وتكثير منافعه.
ويلاحظ أيضا أن كل تطور تقني ونقلة في حياة البشرية تكون أكبر من سابقتها، أو هكذا نتصور الآن، بعد أن نكون قد تعودنا على النقلات السابقة.
مجال التربية والتعليم لم يكن بمعزل عن هذه التحديات (والفرص)، بل غالبا كان في المركز منها، إما من حيث تأثرها، أو من حيث تأثيرها، وغالبا من الأمرين.
ومن أحدث، وأكبر التحديات التي مرت بالبشرية، وبالتعليم بمفهومه الحديث خاصة (الذكاء الصناعي). وهو قدرة الآلة المحوسبة على “التفكير” والاستدلال، وإنتاج المحتوى (المعرفة بأشكالها)، وقدرتها على تنفيذ أوامر تعطى لها بلغة تفهمها، بدلا من البشر، أو لمساعدتهم، مع القدرة على التعامل مع بيانات متنوعة ضخمة، لا يمكن للفرد التعامل معها عادة. فالذكاء الصناعي لديه القدرة على قراءة كتب كثيرة والاستماع والغوص في بيانات كمية ونوعية كبيرة واستيعابها، واستخراج ما يوجَّه لاستخراجه، في وقت قياسي. ولديه الآن قدرة متنامية بسرعة على محاكاة البشر في إبداعهم، وإنتاج المعرفة بدل الاكتفاء بنقدها أو استخلاص ما يراه فيها.
الذكاء الصناعي دخل كل مجال، تقريبا: الصناعة، والتجارة، والنقل، والإدارة. ومن المجالات التي دخلها أيضا (التعليم).
لكن ربما أن دخوله للتعليم كان مختلفا، لأنه في طبيعته يجاري - أو يحاول مجاراة - القدرات البشرية، سواء الذهنية، كالتلخيص، والاستنتاج، والمراجعة والنقد، وتقديم الأفكار التطويرية (الإبداع)؛ أو الجسدية، مثل تنظيم المهام، والكتابة، وتنويع عرض المعرفة (كتابة أو صوتا، أو صورة). فربما لأول مرة تدخل الآلة، من خلال الذكاء الصناعي، مجال (المهارات الناعمة)، أي المهارات التي تعتمد على الفكر والتفاعل والتواصل الإنساني، وليس فقط المهارات الصلبة، أي المهارات الجسمية العملية.
وحيث إن هذا التحول يتدخل في الهدف الرئيسي والأول للتربية، عقلِ الإنسان وفكره ومشاعره (أي إنسانيته)، كان التحول كبيرا، وكان القلق والتخوف أكبر.
كثير من المستخدمين للذكاء الصناعي في المجال التعليمي (من الطلاب والمعلمين) لا يرى في الذكاء الصناعي إلا أنه: يقدم معلومة (بسرعة)، يجيب عن الأسئلة، ويحل الواجبات. وهذا لا شك أنه من المهام السهلة التي يقدمها الذكاء الصناعي. وأعني ب (السهلة) السهلةَ على المستخدم، بالدرجة الأولى. فمن أسهل الأشياء على الطالب المستخدم أن يكتب (أو يقول) للذكاء الصناعي: أكتب لي مقالا عن موضوع (الاحتباس الحراري)، أو (ما علاقة الحروب بارتفاع الأسعار؟) أو (أنا في الصف الثالث متوسط، وعندي واجب في الرياضيات. الأسئلة هي: 1، 2، 3… اكتب لي الإجابة باختصار.) غالبا سوف يقوم الذكاء الصناعي بالمهمة (حتى من الحسابات المجانية!).
ومن السهل على المعلم أن يقول لجمناي أو كلود أو تشات جيبيتي: (أعطني خمسة أسئلة لاختبار طلاب الصف الثالث متوسط في مقرر العلوم…) وربما يضيف: (واكتب لي الإجابات النموذجية)! وسوف يقوم الذكاء الصناعي بذلك بكل أريحية.
ومع أن هذا ليس سيئا دائما، إلا أن هذا ليس هو كل القصة! فهذا استعمال محدود (ولا أقول سطحي) للذكاء الصناعي. الذكاء الصناعي يمكن أن يناقشك في الفكرة، التي تطرحها عليه (أو يقدم لك الفكرة من أصلها)، ويطرح عليك أسئلة عنها، تطورها وتزيدها سعة وعمقا، ويمكن أن يلفت انتباهك إلى جوانب لم تتنبه لها، فيما طلبته.
الذكاء الصناعي لا يقدم لك فقط الإجابات (أو المنتج) بل يعلمك كيف تصنع الإجابة، وفوق ذلك يجعلك تفهم الإجابة وطريقة صنعها.
الذكاء الصناعي ينقد ما تكتبه وتنتجه، ويبين لك الانقطاعات والفجوات والتناقضات المحتملة، وغالبًا - وليس دائما - يكون رأيه صحيحا، أو على الأقل جديرا بالانتباه.
الذكاء الصناعي لمن يستخدمه بشكل جاد يعلّم الطريقة العلمية المنطقية في بناء الأفكار، وفي بناء الفهم وحل المشكلات.
الذكاء الصناعي معلم واسع الصدر، ولا يغضب، وينوّع التدريس ويفرّده، ويقدم لك المادة (معلومة أو مفهوما أو مهارة أو اتجاها) بأكثر من صورة وبأكثر من نمط. يقدم ذلك بأناة وتدرج، (وإذا أردت يزودك بتقويم لتَعلمك!) والجميل في ذلك أنه كما يفعل ذلك للطالب يمكن أن يفعله للمعلم أيضا!
الذكاء الصناعي يساعد الطالب والمعلم في تنفيذ العمليات الآلية المتكررة، التي تجعل التعليم مملا، أو تصرف الوقت في أشياء غير مهمة، فيساعده على تقليل الوقت المصروف فيها، ويساعده على التركيز على ما هو أهم.
الذكاء الصناعي ينظم عملية التعلم ويجعلها تُدار ذاتيا من المتعلم. فيساعده على أن يكون متعلما ذاتيا ومتعلما دائم التعلم. يمكن للطالب أن يُدخل (كتابا أو أكثر) ويطلب من الذكاء الصناعي تدريسه له، وتلخيص أهم أفكاره، وعرضها في حوار صوتي، أو خرائط ذهنية أو ملخصات.
للذكاء الصناعي جوانب سلبية، كغالب التقنيات في الحياة. فهو قد يؤثر سلبا على نمو مهارات التفكير لمن يعتمد عليه بشكل غير مناسب، خاصة في السنوات الأولى من العمر. وقد يهدد خصوصية المستخدم. لكن هذه أمور غالبا تأتي من الاستخدام غير الرشيد للذكاء الصناعي، كما الحال مع استخدام غالب الأشياء في الحياة.
الذكاء قد يهلوس! أي يعطي إجابات هو يخترعها من نفسه، بدل أن يقول: لا أعلم. نعم، فهو مصمم على أن يقدم معلومة، ويستنتج بحسب أفضل ما لديه من احتمالات. وهذه ربما إيجابية، ليعلم المتعلم المراجعة والنقد، (وليساعد على اكتشاف من يجعلون الذكاء الصناعي يقوم بالعمل نيابة عنهم!)
الذكاء الصناعي ذكي بقدر ذكاء من يستخدمه، ومفيد بقدر ذكاء وجدية من يوظفه. وحتى من لم يكن ذكيا، فإن الذكاء الصناعي يساعده ليكون ذكيا!
التحدي الأكبر للتربويين، ليس في أنه قد يستغله بعض الطلاب (أو كلهم) في أداء العمل عنهم. كلا! فهذا يمكن كشفه أو التعامل معه بسهولة، وربما بمساعدة الذكاء الصناعي نفسه! إنما التحدي الحقيقي هو أن يفهم المعلمون(ويُفهِمون الطلابَ) كيف يكون الذكاء الصناعي مساعدَا باحثا، ومعلما مرشدا، مع المتعلم على مدار الساعة، وكيف يكونون مبدعين ناقدين في تعاملهم معه. إذا توجه التربويون للذكاء الصناعي بهذه العقلية، فستقل الجوانب السلبية بدرجة كبيرة، بل ربما تختفي.