د.ناصر بن محمد الحمود
سعدتُ بدعوةٍ كريمة لحضور الجلسة الحوارية «تمكين القطاع غير الربحي» (دور إمارات المناطق في تمكين القطاع غير الربحي)، بتنظيمٍ ورعاية من إمارة منطقة القصيم. وذلك صباح يوم الخميس الموافق 17/ 1/ 1448هـ بمركز الملك خالد الحضاري بمدينة بريدة، ضمن فعاليات الملتقى السنوي السادس لإمارات المناطق والمبادرات والتجارب التنموية.
وقد ضمَّتْ الجلسةُ الحواريةُ نخبةً من المتحدثين، تناولوا محاورَ مهمة، شملتْ الحديث عن دور القطاع غير الربحي في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وعن التوازن الخيري وأثره في الاستدامة، وعن دور جمعيات التنمية الأسرية في تحقيق الاستقرار الأسري والأمان المجتمعي والوطني، وعن دور الوحدة الإشرافية بوزارة الداخلية تجاه المنظمات غير الربحية الواقع والتطلعات. وأثرى المتحدثون الجلسة وغطوا محاورها.
وانطلاقاً من تجربتي في العمل في القطاع غير الربحي، رئيساً لإحدى الجمعيات الأهلية، وعضواً في عدد من مجالس إدارات الجمعيات الخيرية، وعضواً في مجلس الجمعيات الأهلية بمنطقة القصيم، وما لمستُه وشاهدته عن قربٍ من اهتمام مباشر، ودعم وتمكين، من صاحب السمو الملكي أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله للقطاع غير الربحي في المنطقة، ورغبة في التفاعل مع فعاليات الملتقى السنوي السادس لإمارات المناطق والمبادرات والتجارب التنموية.
رأيتُ أن أُسلّط الضوء على مميزات العمل الخيري بمنطقة القصيم. وما يلقاه القطاع غير الربحي من دعم ومساندة من إمارة منطقة القصيم فأقول: إنَّ القطاع غير الربحي والعمل الخيري في المملكة العربية السعودية شهد تحولاً تاريخياً وجذرياً، حيث انتقل من الأُطُر التقليدية القائمة على الرعاية العاجلة، والمبادرات الفردية، إلى قطاع تنمويٍ منظّمٍ ومستدامٍ، يُعدّ ركيزةً أساسيةً من ركائز رؤية المملكة 2030، وبدعم ومساندة من القيادة الرشيدة، شملَ هذا التّحول زيادة عدد المنظمات غير الربحية، وكذلك شمل بُنية العمل، وأهدافه وآليات تشغيله، فلم يُعدّ القطاع غير الربحي مجرد قناة لبذل الفضل والصدقات، بل تحوّل إلى صناعة تنموية، قائمة على المعرفة والحوكمة وقياس الأثر الملموس؛ ليصبح شريكاً حقيقياً في الناتج المحلي، ومحركاً فاعلاً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وأصبح سنداً إنسانياً وتنموياً لا يقلّ أهميةً في بناء المجتمع.
ومنطقة القصيم كغيرها من مناطق المملكة العزيزة تميزت بخصوصية فريدة في منظومة العمل الخيري والاجتماعي، وهذا التميز من واقع تجربتي في العمل الخيري بالمنطقة ليس وليد الصدفة، بل هو -بعد توفيق الله- نتاجَ متابعة حكيمة من أعلى سلطة في المنطقة، وتلاحم مجتمعي، وتكامل رسمي، ويستند إلى إرث ممتد. ويمكنني أن ألخّص أبرز ملامح هذا التميز في عدة محاور:
أولاً: الدعم والتمكين الرسمي المكثّف
تحظى الجمعيات والمشاريع الخيرية في منطقة القصيم برعاية ومتابعة مباشرة ودائمة من سمو أمير المنطقة، دعماً يتجاوز الرعاية الشرفية أو البروتوكولية إلى الحضور الفعلي والميداني والدعم الإداري والتحفيز والتشجيع؛ وتذليل العقبات أمام المبادرات النوعية، إضافةً إلى تبني المبادرات التنموية الكبرى التي تجمع القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي تحت مظلة واحدة، والأمثلة على ذلك كثيرة لعل من أبرزها:
- مبادرة «نهر العطاء» والتي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله، وكان هدفها حين ضربت جائحة كورونا أطنابها على العالم أجمع هو تخفيف الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية المترتبة لجائحة كورونا على بعض الأسر والأفراد وأصحاب المشاريع الصغيرة فجاء توجيه سموه الكريم بتوزيع منطقة القصيم إلى أربع قطاعات يتولى كل قطاع الإشراف والمتابعة للقطاع الذي ينتمي إليه، فأدت تلك القطاعات الدور المناط بها على أكمل وجه، وحيث إني كنت مسؤولا عن إحدى القطاعات الأربع -قطاع الرس وجنوب غرب القصيم-، أن أسلّط الضوء على أبرز نتائجه، حيث كان من نتائج هذا القطاع فقط: توزيع (19,500) تسعة عشر ألف وخمسمائة سلة غذائية وتوزيع (1400) ألف وأربعمائة بطاقة تسوق بقيمة إجمالية تقارب (5,000,000) خمسة ملايين ريال إضافة إلى البرامج والأعمال الإغاثية والمساعدات العينية.
فإذا ضممت إلى هذا الجهد جهود بقية القطاعات الأربعة واسهاماتها الخيرية والتنموية في المنطقة تبين حجم الأثر لهذه المبادرة ودورها في تخفيف معاناة وآثار الجائحة، والتي كانت بإشراف ومتابعة من إمارة المنطقة.
- مبادرة سموه الكريم «مبادرة التوازن الخيري» والتي تهدف إلى وقوف ودعم الجمعيات الكبرى بالمنطقة للجمعيات في أطراف المدن والمحافظات، بما يضمن استمرار وصول الدعم للمستفيدين على حد سواء.
- وكذا دعم سموه الكريم (لمشاريع الإسكان التنموي)، في التكامل مع وزارة الإسكان والمنصات الوطنية لتأمين الاستقرار السكني للمستفيدين والبحث عن الأسر الأشد حاجة لتحقق لها استقراراً سكنياً حقيقياً يشكّل أرضية صلبة تُبنى عليها لاحقاً برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
وغيرها من المبادرات النوعية المميزة والتي يصعب حصرها في هذا المقال.
وما ترؤس سموه الكريم على كثرة مشاغله وتنوع مسؤولياته لعدد من الجمعيات الأهلية بالمنطقة: (جمعية البر الخيرية ببريدة، وجمعية الإسكان الأهلية، وجمعية كبدك، وجمعية دمي) إلا دليل واضح على الدعم والتمكين من سموه الكريم للقطاع غير الربحي. إضافة إلى استحداث سموه الكريم عدداً من الجوائز الداعمة للقطاع غير الربحي؛ كجائزة فيصل بن مشعل للتوطين لتعزيز تمكين الكفاءات الوطنية، وجائزة الأمير فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود للعمل التطوعي، وجائزة شقائق الرجال بمنطقة القصيم، وجائزة القصيم للتميز والإبداع، وجائزة الأمير فيصل بن مشعل لحفظ القرآن وتجويده. وغيرها من الجوائز والتي تنعكس على دعم القطاع غير الربحي وتطويره.
وأختم في هذا المحور ما تلقاه عدد من الجمعيات في المنطقة من دعم ومؤازرة لها كاستقباله الكريم للجمعيات بعد تأسيسها، أو استقباله لها لاستلام تقاريرها السنوية والاطلاع عليها وابداء مرئياته عليها، أو مشاركته لها حال افتتاح مشاريعها التنموية، أو مشاركته لها في حفلاتها السنوية، أو مشاركته لها ودعمها في توقيع الاتفاقيات، وجلب الداعمين والموسرين لها، التي تنعكس على المنطقة بالنفع والتمكين.
ثانياً: التحول من الرعوية إلى التنموية
من أهم ما يميز تجربة منطقة القصيم تركيزها على المبدأ كما في المثل القديم «إنَّ تعليم الصيد أفضل من إعطاء السمكة»، ويبرز هذا الأمر من خلال:
1 - التركيز عل مشاريع الإسكان التنموي التي تؤمن الاستقرار للأسر الأشد حاجة. ولسمو أمير منطقة القصيم رعاية واهتمام خاص بالإسكان التنموي يظهر في الأخبار المتتالية عن تسليمه وحدات سكنية لعدد من المستفيدين في المنطقة، وآخرها حين صدر التبرّع السخي والذي قدّمه سمو ولي العهد -حفظه الله- بمبلغ مليار ريال من نفقته الخاصة للإسكان التنموي، فقد قدم سمو أمير المنطقة الدعم والتمكين لتنفيذ المشروع بالمنطقة، مما أسهم في إنجاز جميع مراحل مشروع الوحدات السكنية بمنطقة القصيم في وقت قياسي وتسليمها للمستفيدين.
2 - إطلاق برامج التدريب والتأهيل المهني التي تُكسب المستفيدين مهارات حقيقية تؤهلهم لدخول سوق العمل، ومشاريع دمج المستفيدين في الوظائف والمهن المناسبة، ودعم الأسر المنتجة وتمكينها من إدارة مشاريعها الخاصة، بما يحوّلهم من متلقين دائمين للإعانات إلى طاقات منتجة ومستقلة مادياً لا تحتاج إلى مساعدات مستمرة. ولسمو أمير المنطقة مبادرات متعددة في التمكين والتوطين ودعم الأسر المنتجة.
ثالثا: التوسع في تأسيس الجمعيات وتنوعها
تميزت منطقة القصيم بمواصلة نمو القطاع غير الربحي فيها، وتوسع دورها التنموي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
فإنّه وفق نتائج المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي حتى 06/ 06 /2026، بلغ عدد الجمعيات والمؤسسات والصناديق الأهلية في المملكة العربية السعودية 7,849 كيانًا غير ربحي تتصدر منطقة الرياض بـ2,122 كيانًا، تليها منطقة مكة المكرمة بـ1,542 كيانًا، ثم منطقة القصيم بـ758 كيانًا. حيث شملت الكيانات في منطقة القصيم 555 جمعية أهلية و31 مؤسسة أهلية و172 صندوقاً عائلياً، وما زالت الكيانات تواصل نموها ودورها التنموي بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة. وتلك الجمعيات هي متنوعة في تخصصاتها؛ ما بين إغاثية وتعليمية وتثقيفية وصحية ورياضية وهندسية وزراعية وبيئية وحرفية وتراثية وغيرها، وهي كذلك متنوعة في مواقعها الجغرافية حيث تتوزع على منطقة القصيم على مساحة تقدر بنحو 73 ألف كم². فهي موزعة على مدينة واحدة و13 محافظة، و154 مركزًا. لتخدم سكان المنطقة والبالغ عددهم ما يقارب (1.336.179) مليون وثلاثمائة وستة وثلاثون ألفا ومائة وتسعة وسبعين نسمة.
وتحقيقُ منطقة القصيم المركز الثالث على مستوى المملكة في عدد الكيانات غير الربحية يعكس ما تلقاه القطاعات من دعم وتشجيع ومساندة سواء من إمارة المنطقة، أو القطاعات الحكومية، أو القطاع الخاص، وحاجة المجتمع لتلك الخدمات المقدمة منها.
رابعاً: الثقافة المجتمعية الداعمة والمبادرة
يُعرف مجتمع القصيم كغيره من المجتمعات السعودية بأصالته وحبه الفطري للمبادرة والعمل التطوعي، فالتطوع النوعي: لا يقتصر هذا التطوع على الجهد البدني، بل يشهد العمل الخيري إقبالاً كبيراً من الكفاءات الأكاديمية والمهنية والقانونية التي تقدّم استشاراتها مجاناً لتطوير القطاع. وتزخر الجمعيات في مجالس إداراتها، وإداراتها التنفيذية ومشاريعها المختلفة بمشاركة النخب من الأكاديميين والأطباء والقانونيين ورجال الأعمال والباحثين بما ينعكس على نوعية العمل في القطاع غير الربحي.
خامساً: الاستدامة المالية عبر الأوقاف
تتميز المنطقة بوعي استثماري عالٍ يُوظَّف لخدمة العمل الإنساني، إذ يحرص الموسرون ورجال الأعمال فيها على تأسيس أوقاف تنموية مستدامة يُصرف ريعها على مناشط الجمعيات الأهلية، مما يحميها من تقلبات الدعم المالي المؤقت ويضمن استمرار برامجها لسنوات طويلة.
ويدعم سمو أمير المنطقة الأوقاف في المنطقة، وآخرها ما أطلقه في شهر رمضان الماضي وهو «وقف سقيا الماء».
ومن أبرز أنواع الرعاية للأوقاف إطلاقه أول صندوق وقفي استثماري داعم للاحتياجات المجتمعية والتنموية بالقصيم، ليكون أيقونة للعطاء واستدامة الدعم الخيري للقطاع الثالث.
وتحتضن المنطقة عدداً من الأوقاف الخيرية المخصّص ريعها على تلك الجمعيات ودعم برامجها. ولعل الله ييسر لي أن أكتب مقالا آخر يبرز الأوقاف ودورها في المنطقة.
وختاماً، فإن نموذج العمل الخيري في القصيم يجمع بين عاطفة العطاء النبيلة وعقلية الإدارة الاحترافية، وهو ما جعله نموذجاً يُحتذى به في الكفاءة والأثر المستدام على مستوى المملكة العربية السعودية. ويلقى كذلك الدعم اللامحدود من إمارة المنطقة.
** **
جامعة القصيم - رئيس مجلس جمعية البر الأهلية بالرس