جانبي فروقة
منذ ثمانين عاماً احتاج العالم إلى مؤتمر «بريتون وودز» ليمنع انهيار النظام المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية واليوم يقف العالم أمام لحظة مشابهة لكن هذه المرة ليس بسبب الذهب أو الدولار بل بسبب الخوارزميات وقد أِشار هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي المخضرم الأسبق) في مقالته «إنتهاء عصر التنوير» «How the Enlightenment Ends» إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل انتقالاً من نموذج المعرفة القائم على العقل البشري منذ عصر التنوير إلى نموذج جديد يقوم على اكتشاف أنماط قد تتجاوز قدرة الإنسان على الفهم والتفسير المباشر و كانت هذه الإشارة خلاصة عمر أمضاه بين طاولات التفاوض الكبرى من الحرب الباردة إلى الانفتاح على الصين وهو يدرك جيداً أن التحولات التي تُعيد تشكيل ميزان القوة نادراً ما تُعلن عن نفسها بصوت عالٍ ولعل هذا بالتحديد ما يفسر لماذا لم يكن الحدث الأهم هذا الأسبوع في عالم التقنية إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي جديد أو صفقة استثمارية بمليارات الدولارات بل إعلان أهدأ بكثير وهو تأسيس الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات لجنةً عالمية أُطلق عليها اسم «AI for Good Global Commission» «لجنة الذكاء الاصطناعي لخير العالم» برئاسة مشتركة بين الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce مارك بينيوف والرئيس الرواندي بول كاغامي وبعضوية أسماء ثقيلة مثل جينسن هوانغ من إنفيديا Nvidia وآندي جاسي من أمازون Amazon وبراد سميث من مايكروسوفت Microsoft وجاك كلارك أحد مؤسسي أنثروبيك Anthropic والسؤال الذي يشغل بال هذه اللجنة لم يعد كيف نبني ذكاءً اصطناعياً أقوى بل كيف نحكمه قبل أن يحكمنا هو ولأول مرة في التاريخ يصل الابتكار إلى المجتمع قبل أن تلحق به المؤسسات فالكهرباء احتاجت إلى ما يقارب نصف قرن لتتحول من اختراع مخبري إلى جزء من الحياة اليومية والإنترنت استغرق قرابة عشرين عاماً ليتحول من شبكة أكاديمية محدودة إلى اقتصاد عالمي متكامل أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد قلب هذا الترتيب التاريخي رأساً على عقب فقد وصل تطبيق ChatGPT تشات جي بي تي إلى مئة مليون مستخدم نشط شهرياً خلال شهرين فقط من إطلاقه وحين تتحرك التقنية بهذه السرعة يجد المشرّعون في كل مكان أنفسهم في موقع مسؤولية اللحاق لا القيادة وهذا بالضبط ما يجعل لحظة تأسيس لجنة أممية معنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي لحظة تستحق التوقف عندها طويلاً لا الاكتفاء بتغطيتا كخبر عابر، والمفارقة أن العالم لا يختلف اليوم حول أهمية الذكاء الاصطناعي فالجميع من واشنطن إلى بروكسل إلى بكين يعتبرونه المورد الاستراتيجي الأهم في القرن الحادي والعشرين لكنهم يختلفون جذرياً حول السؤال الأصعب وهو من يحكمه، ولمصلحة من؟ ومن هذا الاختلاف تبلورت ثلاث مدارس حوكمة كبرى لكل منها منطقها الداخلي المتماسك تماماً.
فإذا نظرنا للقارة الأوربية نجدها تنطلق من فرضية أن الإنسان يجب أن يبقى مركز المعادلة مهما بلغت قدرة الآلة ولهذا جاء «قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي» الذي دخل حيّز التنفيذ الرسمي في أغسطس 2024 كأول تشريع شامل في العالم ينظم هذه التقنية وفق تدرّج صريح للمخاطر من تطبيقات محظورة كلياً لأنها تهدد كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية كأنظمة التصنيف الاجتماعي وتطبيقات عالية الخطورة تخضع لرقابة صارمة قبل دخولها السوق كأنظمة التوظيف والتصنيف الائتماني والتعرف الحيوي وتطبيقات محدودة الخطورة يكفي فيها إخبار المستخدم أنه يتحدث إلى آلة وأخيراً تطبيقات منخفضة الخطورة تُترك دون قيود تُذكر وهذا التدرج الدقيق هو الترجمة العملية لفلسفة المفوضية الأوروبية التي تختصرها في جملة واحدة وهي لا قيمة لابتكار لا يمكن الوثوق به وفي الجهة المقابلة من الأطلسي تنطلق واشنطن من هاجس مختلف تماماً وهو الخوف من أن تقتل التشريعات الثقيلة روح الابتكار نفسها ولهذا ظلت السياسة الأمريكية تجاه الذكاء الاصطناعي من الأوامر التنفيذية السابقة إلى توجهات الإدارة الحالية أقرب إلى تشجيع الاستثمار وتعزيز التنافسية العالمية مع الاعتماد بشكل كبير على التزام الشركات نفسها بمعايير الاختبار والسلامة بدل فرض إطار تنظيمي مركزي صارم ويمكن تلخيص هذه الفلسفة بعبارة الاقتصادي جوزيف شومبيتر عن «التدمير الخلّاق» وهي الفكرة القائلة إن أي تقدم اقتصادي حقيقي يحتاج إلى مساحة من الحرية حتى لو أحدث اضطراباً مؤقتاً في السوق والمجتمع وربما ليس من قبيل الصدفة أن معظم أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم اليوم من OpenAI إلى أنثروبيك وكلود لا تزال أمريكية بامتياز أما الصين فتنطلق من سؤال ثالث مختلف كلياً عن السؤالين الأوروبي والأمريكي وهو ليس «هل هذا عادل؟» ولا «هل هذا مربح ومبتكر؟» بل «هل هذا يخدم استقرار الدولة وأمنها؟» فبكين تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ركيزة من ركائز الأمن القومي لا مجرد قطاع اقتصادي ولهذا كانت أول دولة تفرض قواعد خاصة بالنماذج التوليدية تُلزم الشركات بمراجعة أنظمتها قبل إطلاقها للجمهور والامتثال لمتطلبات صارمة في الأمن السيبراني وحوكمة المحتوى والمفارقة أن هذه المركزية نفسها التي قد تبدو من الخارج عبئاً بيروقراطياً هي التي مكّنت بكين من توجيه استثمارات ضخمة ومنسقة نحو الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية فظهرت نمذج صينية مدربة بالكامل على شرائح صينية الصنع لتثبت أن الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة بسرعة قد تفاجئ حتى المتفائلين بشأنها.
إن هذه الفلسفات الثلاثة رغم اتفاقها الظاهري على أهمية الذكاء الاصطناعي تنتج في الواقع ثلاثة عوالم رقمية متوازية أكثر مما تنتج نظاماً عالمياً واحداً فالخوارزمية نفسها قد تكون قانونية تماماً في كاليفورنيا ومقيدة بشروط صارمة في بروكسل ومختلفة جوهرياً في بكين من حيث من يملك بياناتها ومن يراقب مخرجاتها وإذا استمر هذا التباعد دون جهد جاد لإيجاد أرضية مشتركة فقد يجد العالم نفسه أمام انقسام رقمي يشبه إلى حد بعيد الانقسام السياسي والعسكري الذي عرفناه خلال الحرب الباردة لكن هذه المرة على مستوى البنية التحتية المعرفية والاقتصادية نفسها لا فقط على مستوى التحالفات العسكرية والإيديولوجيا.
يدرك العالم اليوم أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد منتج تقني بل بنية تحتية عالمية تُشكّل الاقتصاد والتعليم والأمن ومستقبل العمل نفسه تبدو لجنة «AI for Good Global Commission» أشبه بمحاولة أولى متواضعة حتى الآن لبناء لغة مشتركة بين الحكومات والشركات الكبرى لا بوصفها حكومة عالمية ولا هيئة رقابية صارمة بل كمنصة تبحث عن الحد الأدنى الذي يمكن أن يتفق عليه الجميع قبل فوات الأوان، غير أن التاريخ القريب لا يمنحنا الكثير من التفاؤل حيال قدرة العالم على تحقيق مثل هذا التوافق فحتى اليوم لم تنجح الدول في الاتفاق الكامل حول قضايا أبسط بكثير من الذكاء الاصطناعي من حيث التعقيد التقني مثل تغيّر المناخ والتجارة العالمية والضرائب الرقمية والأمن السيبراني فالتقرير الأخير للأمم المتحدة، تحت عنوان «حوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية» في سبتمبر 2024 اعترف صراحة بحجم الفجوة القائمة إذ كشف أنه من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة هناك سبع دول فقط هي الأطراف المشتركة في سبع من أبرز مبادرات حوكمة الذكاء الاصطناعي حول العالم بينما تغيب 118 دولة معظمها من دول الجنوب العالمي عن هذه المبادرات كلياً ولهذا أوصى التقرير بإنشاء هيئة علمية دولية مستقلة معنية بالذكاء الاصطناعي على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ، إضافة إلى مكتب متخصص داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة يتولى تنسيق هذه الجهود المتناثرة فكيف يمكن لعالم عجز حتى الآن عن ضمان مشاركة عادلة لأكثر من ستين بالمئة من دوله في نقاش الذكاء الاصطناعي أن يتفق على قواعد ملزمة لتقنية تتطور كل ثلاثة أشهر تقريباً؟
لم يبدأ مؤتمر بريتون وودز عندما انتهت الحرب بل قبل أن تنتهي لأن القادة أدركوا أن النظام العالمي الجديد يجب أن يُبنى قبل أن تبدأ الفوضى والسؤال اليوم هل ينتظر العالم حتى يقع أول «انهيار رقمي عالمي» قبل أن يتفق على قواعد الذكاء الاصطناعي ويحذر الاقتصادي الحائز على نوبل «دارون أسيموغلو» من أن التاريخ لا يكافئ التكنولوجيا تلقائياً بل يكافئ المؤسسات القادرة على توزيع ثمارها بعدالة ومن هذا المنطلق فإن معركة الذكاء الاصطناعي ليست فقط حول من يبتكر النموذج الأقوى بل حول من يحدد كيف تُوزَّع مكاسب هذه الثورة والدول لن تختلف مستقبلاً في حجم اقتصادها فقط بل في قدرتها على التأثير في الخوارزميات التي تدير الاقتصاد العالمي.
** **
- كاتب أمريكي