فاطمة آل مبارك
تبدأ التحولات الكبرى داخل المؤسسات من القرارات، وتترسخ بنتائجها في الميدان. والهيكلة الإدارية تمثل إحدى أهم محطات التطوير المؤسسي؛ فهي تعيد تنظيم الموارد، وتستثمر الطاقات البشرية، وتؤسس لبيئة عمل أكثر كفاءة وانسجاماً مع مستهدفات التنمية. ويظل أثرها مرتبطاً بمدى اتساق التطبيق مع المبادئ التي قامت عليها، وفي مقدمتها العدالة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، والجدارة في تولي المسؤوليات.
وتحمل مرحلة اختيار القيادات مسؤولية كبيرة في إنجاح هذا التحول، لأنها تحدد من يقود المؤسسات نحو تحقيق أهدافها، ومن يصنع ثقافة العمل داخلها. وعندما تُدار هذه المرحلة بمعايير واضحة وإجراءات معلنة، تتعزز الثقة المؤسسية، وتزدهر المنافسة الإيجابية، وتتحول الهيكلة إلى قوة دافعة للإنتاجية والابتكار، بما ينعكس على جودة الخدمات وكفاءة الأداء في مختلف القطاعات.
ورغم وضوح الأطر النظامية والأدلة التنظيمية التي تنظم آليات اختيار القيادات، فإن الواقع العملي يكشف في بعض الجهات تفاوتاً في التطبيق، ويظهر ذلك في اختلاف آليات الإعلان عن الوظائف القيادية، وتباين نطاق وصولها إلى الموظفين المؤهلين، إضافة إلى محدودية تداول بعض تعاميم الترشح داخل نطاقات إدارية ضيقة، مما يحرم العديد من الكفاءات من فرص المنافسة.
كما تتشكل لدى بعض العاملين انطباعات بأن بعض الترشيحات قد حُسمت مسبقاً، لتصبح المفاضلات إجراءً شكلياً لا يعكس روح المنافسة الحقيقية، في الوقت الذي يُلاحظ فيه أحياناً تغليب العلاقات المهنية أو التزكيات الشخصية على معايير الجدارة، مع تجاوز بعض متطلبات الخبرة أو المؤهلات أو التأهيل المهني في بعض التعيينات.
فنجاح أي تطوير في أي قطاع لا يتحقق بمجرد اعتماد هياكل تنظيمية حديثة، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بآليات اختيار القيادات القادرة على قيادة التطوير وتحسين نواتج التعلم. وعندما تستمر أساليب الاختيار التقليدية داخل منظومة حديثة، فإنها تفرغ الهيكلة من مضمونها الإصلاحي، بينما تؤدي الشفافية في الاختيار إلى رفع دافعية العاملين، وتعزيز الانتماء المؤسسي، والاستفادة من الطاقات الوطنية، في حين يقود غيابها إلى الإحباط، وهدر الكفاءات، والاكتفاء بأداء الحد الأدنى من الواجبات.
وتوافق هذه الملاحظات ما تؤكد عليه أدبيات الإدارة الحديثة التي ترى أن أكبر المخاطر في مراحل التحول التنظيمي تتمثل في استمرار الممارسات القديمة داخل الأطر الجديدة. فإعادة الهيكلة لا تحقق أهدافها ما لم يصاحبها تغيير في السلوك الإداري وآليات اتخاذ القرار. ولهذا تصنف الحوكمة الحديثة غياب العدالة الإجرائية ضمن المخاطر التنظيمية عالية الأثر، لأنها لا تقتصر على إحباط الأفراد، بل تؤدي إلى جمود مؤسسي، وتراجع الحافزية، وارتفاع مقاومة التغيير، وهو ما يستوجب وجود منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، تشمل مسارات واضحة ومستقلة للتظلم، وآليات رقابية تراجع قرارات التعيين ومدى توافقها مع المعايير النظامية، إمضاءً وتثبيتاً لمكتسبات التطوير المؤسسي.
وتؤكد التقارير الدولية المتخصصة في تطوير القطاع العام وجود علاقة مباشرة بين نجاح برامج إعادة الهيكلة ومستوى العدالة الإجرائية التي يشعر بها العاملون داخل المؤسسات. فكلما ارتفع مستوى الثقة في نزاهة الإجراءات، انعكس ذلك إيجاباً على الإنتاجية، وجودة الأداء، والالتزام المؤسسي، وارتفعت قدرة الجهات الحكومية على تحقيق مستهدفاتها بكفاءة واستدامة.
كما تقدم التجارب الدولية نماذج عملية يمكن الاستفادة منها في هذا المجال؛ فقد بنت سنغافورة كفاءة قطاعها الحكومي على نظام صارم يقوم على الجدارة والاستحقاق، يعتمد على معايير تقييم معلنة ومؤشرات أداء دقيقة تضمن وصول القيادات الأكثر كفاءة. وفي المقابل، اعتمدت نيوزيلندا نموذجاً يقوم على نشر جميع الوظائف القيادية عبر منصات وطنية موحدة، مع إلزام الجهات الحكومية بإصدار تقارير دورية مستقلة تقيس مدى تكافؤ الفرص في التعيينات، بما يسمح برصد أي انحرافات وتصحيحها بصورة مستمرة.
ويبرز هنا دور الحوكمة الرقمية باعتبارها إحدى أهم أدوات تعزيز الشفافية. فأتمتة عمليات الترشيح والمفاضلة، وربطها بمؤشرات أداء ومعايير معتمدة، يحد من تأثير الاجتهادات الشخصية في المراحل الأولية، ويضمن وصول المعلومات والفرص إلى جميع المؤهلين بصورة متساوية، لتتحول الشفافية من مفهوم نظري إلى ممارسة مؤسسية قابلة للقياس والمراجعة والتطوير.
ولكي تكتمل منظومة التطوير المؤسسي، فإن الحاجة تظل قائمة إلى أدوات مستقلة تقيس جودة التطبيق الفعلي للهيكلة، من خلال استطلاعات رأي مهنية ومحايدة وسرية تستهدف العاملين في مختلف المستويات التنظيمية، لقياس مدى وضوح معايير شغل المناصب القيادية، وقناعة الموظفين بعدالة الاختيار، ومستوى تكافؤ الفرص، وحجم الكفاءات الوطنية التي لم تتح لها فرص المنافسة، إضافة إلى تقييم أثر القيادات الجديدة على الإنتاجية وإدارة التغيير، ومدى مساهمتها في تعزيز بيئة العمل، وتحسين توزيع المهام، ورفع كفاءة الإنجاز، ورصد التحديات التي ظهرت بعد التطبيق والاستفادة من مقترحات الميدان لمعالجتها.
وتزداد قيمة هذه الاستطلاعات عندما تتحول نتائجها إلى تقارير تنفيذية تُرفع إلى القيادات العليا في الوزارات والأجهزة الحكومية، لتكون مرجعاً في اتخاذ القرارات التصحيحية، وتطوير السياسات، وتحسين جودة الأداء المؤسسي؛ فالمؤسسات الحكومية الأكثر نجاحاً هي تلك التي تفتح أبواب المنافسة أمام الجميع، وتضمن وصول الفرص إلى جميع المستحقين، وتلتزم بمعايير معلنة ونتائج قابلة للتفسير والمراجعة، بما يعزز ثقة الكفاءات الوطنية في عدالة المنظومة الإدارية ويحفزها على الإبداع والعطاء.
وفي النهاية، تظل الهيكلة الإدارية وسيلة لتحقيق التطوير وليست غاية بحد ذاتها، ويُقاس نجاحها بقدرتها على التحول من مشروع تنظيمي إلى ثقافة مؤسسية راسخة تقوم على الجدارة والاستحقاق والشفافية. وعندما تلتقي عدالة الإجراءات مع كفاءة التطبيق، تصبح المؤسسات الحكومية أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات الوطنية، وتعزيز الإنتاجية، وتحقيق التنمية المستدامة، وصناعة مستقبل إداري يواكب تطلعات الدولة ويعزز تنافسيتها.
فالعدالة في الاختيار ليست مطلباً وظيفياً فحسب، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان والمؤسسة معاً.