د. غالب محمد طه
في كل عصر من العصور، كان للمعرفة بابٌ تدخل منه إلى الناس. وهذا الباب ليس مجرد وسيلة تقنية، بل هو الطريق الذي تعبر منه الأفكار لتستقر في العقول، وتتحول إلى رؤى، ثم إلى قرارات، ثم إلى حضارة، ومن امتلك هذا الباب امتلك قدرة كبيرة على تشكيل الوعي الجمعي، حتى وإن لم يكن هو منتج المعرفة.
قبل خمسين عامًا تقريبًا، كان هذا الباب واضح المعالم. الناشر يقرر أي كتاب يرى النور، ورئيس التحرير يختار ما يُنشر، ومدير التلفزيون يحدد ما يُعرض، ووزير الإعلام يرسم حدود المسموح والممنوع. كان الطريق الذي تسلكه المعرفة معروفًا، وكانت المنافسة تدور حول جودة الفكرة، ثم حول القدرة على عبور بوابات النشر التقليدية.
أما اليوم فقد تبدّل المشهد، لم تعد المعرفة تعبر بوابات بشرية معروفة، وإنما تمر عبر الخوارزميات، وما يصل إلى الناس لم يعد يقرره شخص نعرف اسمه، بل معادلات رياضية لا نرى تفاصيلها، لكنها تحدد ما يظهر وما يختفي، وما ينتشر وما يبقى في الهامش، والخوارزمية لا تقف على باب المعرفة، بل أصبحت هي الباب نفسه.
لهذا لم يعد الوصول مرحلة تأتي بعد إنتاج المعرفة، بل أصبح جزءًا من قيمتها العملية، فالباحث الذي ينتج معرفة لا تصل إلى الناس يشبه من ألّف كتابًا ثم أغلق عليه درج مكتبه، والعالم الذي يحقق اكتشافًا لا يجد طريقه إلى المجتمع، أو المفكر الذي يطرح رؤية لا تبلغ الجيل الجديد، يظل أثره محدودًا مهما بلغت قيمة ما أنتجه.
ولم يقتصر أثر الخوارزميات على طريقة النشر، بل امتد إلى طبيعة التجربة المعرفية نفسها، في الماضي كان الناس يقرأون المقال نفسه، أو يشاهدون البرنامج نفسه، فتتشكل بينهم مساحة مشتركة من المعرفة والمرجعيات، أما اليوم فقد صار لكل إنسان نافذته الخاصة، تعرض له المنصة ما ينسجم مع اهتماماته وسلوكه، فيرى ما يوافق قناعاته أكثر مما يرى ما يوسعها أو يختبرها.
ويقود ذلك إلى ما يعرف باقتصاد الانتباه، فالمنصات لا تتنافس على إنتاج المعرفة، وإنما على جذب انتباه المستخدم والاحتفاظ به أطول وقت ممكن، ولهذا تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى القادر على إثارة التفاعل السريع، بغض النظر عن قيمته المعرفية، فهي لا تزن الأفكار بميزان الحقيقة، وإنما بميزان التفاعل.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: من يتحكم اليوم في وصول المعرفة إلى الناس؟ لم تعد السلطة في يد الناشر أو رئيس التحرير، وإنما أصبحت في يد أنظمة رقمية صممتها شركات تجارية هدفها الأول أن يبقى المستخدم داخل المنصة أطول وقت ممكن، ولهذا أصبحت الجامعات، والمؤسسات الثقافية، والباحثون، والمفكرون، وصناع المحتوى الجاد، جميعهم يواجهون التحدي نفسه: كيف يصل المحتوى العميق إلى جمهوره في بيئة تحكمها الخوارزميات؟
وهذا يفرض إعادة النظر في مفهوم النظام البيئي للمعرفة، فالمحتوى لم يعد يعيش منفردًا، بل أصبح جزءًا من شبكة متكاملة من وسائل النشر والتوزيع والتفاعل. ولم يعد يكفي أن تكون الفكرة جيدة، بل ينبغي أن تعرف كيف تتحرك داخل هذه البيئة حتى تجد طريقها إلى الناس.
ولا يعني ذلك ملاحقة المحتوى السطحي أو منافسته بلغته، وإنما تقديم المعرفة بأسلوب يناسب الوسيط الذي تنتقل عبره، فالوسائل تتغير، أما الرسائل فلا يلزم أن تتغير معها، والعنوان الجيد، والعرض الواضح، وتقسيم المادة الطويلة، وتحسين الصورة والصوت، كلها وسائل تساعد المعنى على أن يصل كما ينبغي.
ومع اتساع أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت فرص الوصول أكبر من أي وقت مضى، فالترجمة، والتفريغ، والتلخيص، وإعادة الصياغة، كلها أدوات تستطيع أن تضاعف انتشار المعرفة إذا أحسن استخدامها، غير أن القيمة الحقيقية لا تزال في الفكرة نفسها، وفي حسن توظيف هذه الأدوات لخدمتها لا لاستبدالها.
لهذا لم يعد التحدي اليوم هو إنتاج المعرفة وحده، وإنما بناء الطريق الذي تسلكه حتى تبلغ الناس، فالطريق أصبح جزءًا من الرسالة، ومن لا يحسن بناء هذا الطريق قد يملك فكرة صائبة، لكنه يترك أثرها لغيره.
في الماضي كان التحدي أن ننتج المعرفة، أما اليوم فأصبح التحدي أن تجد المعرفة طريقها إلى الناس، ومن لا يملك الوصول، قد يملك الحقيقة، لكنه يترك التأثير لغيره.