ليلى أمين السيف
يقول عمنا نيتشه: المنحط لا يكذب لأنه ذكي بل لأنه عاجز عن مواجهة الحقيقة. ولو كان يملك الشجاعة لاختار الصدق لكنه يعلم أن الحقيقة ستكشف خواءه فيلوذ بالأكاذيب كما يلوذ الجبان بالظلام.
والمشكلة هنا ليست في أن الكاذب يقول غير الحقيقة بل في أنه لا يستطيع أن يعيش معها. فهو لا يكذب ليخدع الآخرين فحسب بل لأنه يعلم أن الحقيقة لو نُطقت كما هي لانتهى وجود الصورة التي صنعها لنفسه.
الكذب عند أصحاب النفوس المنهزمة ليس زلة لسان بل أسلوب حياة وقناع دائم وحبل نجاة يتشبثون به خوفا من السقوط. إنهم يخافون الحقيقة أكثر مما يخافون الفضيحة لأن الحقيقة لا تفضحهم فقط بل تنزع عنهم كل الأقنعة التي احتموا بها وتُسقط الصورة التي خدعوا بها الناس طويلا.
ولهذا كان الكذب أسوأ الخصال الرذيلة فهو البذرة التي تنبت منها سائر الرذائل. فهو رفيق النفاق وبوابة الخيانة وذريعة الغدر ولا تكاد تجد خصلة ذميمة إلا وللكاذب فيها نصيب. وقد حذّر الإسلام من الكذب تحذيرا شديدا لأنه يهدم أساس الثقة بين الناس.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار».
وقال صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان».
أما الصدق فليس مجرد خُلق بل منزلة لا يبلغها إلا من انتصر على نفسه وعزّت كرامته وصفا قلبه ورسخت إرادته. هو طريق لا يسلكه إلا من لا تشتريه المصالح ولا يرعبه ظهور الحقيقة. فالصدق يحتاج إلى قلب شجاع يقف ثابتا أمام العواقب بينما لا يحتاج الكذب إلا إلى نفس خائفة تبحث عن مخرج ولو كان على حساب الحقيقة.
فالصدق من صفات المؤمن والكذب من علامات ضعف النفس ووهن الضمير.
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة: 119
وقال الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله: «ما من مُضغةٍ أحبَّ إلى الله من لسانٍ صدوق، وما من مُضغةٍ أبغض إلى الله من لسانٍ كذوب».
وما أصدقها من كلمة فمن أكثر الكذب لم يترك لنفسه شيئا يُصدَّق به حتى إذا نطق بالحق قابل الناس صدقه بالريبة. ولا يكذب إلا من هانت عليه نفسه لأن الشريف يحرس لسانه كما يحرس شرفه أما الكاذب فيبيع كرامته مع كل كذبة حتى يصبح الكذب طبعا لا يفارقه.
الكاذب شخص يعيش مطاردا بأكاذيبه؛ فكل كذبة تلد أخرى حتى يغدو أسيرا لروايات لا تنتهي. إنه كمن يبني بيتا على الرمل ثم يقضي عمره يترقب المدّ. قد ينجح في خداع الناس زمنا لكنه لن يستطيع أن يحجب الحقيقة إلى الأبد. فهي قد تتأخر لكنها لا تضل الطريق وحين تنجلي لا تحتاج إلى هدم شيء؛ فالبناء ينهار من تلقاء نفسه.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحا بين الفريقين: الصادق ينام مرتاح الضمير والكاذب ينام وهو يحرس أكاذيبه.
الصادق يحتاج إلى ذاكرة واحدة أما الكاذب فيحتاج إلى ذاكرة لكل كذبة قالها. وقد قيل: «الكذب يحتاج إلى ذاكرة قوية لكن الصدق يحتاج إلى شخصية قوية».
ولهذا فإن الصدق ليس مجرد فضيلة بل هو شرف وكرامة وقوة وإيمان. أما الكذب فليس إلا إعلانا صامتا عن ضعف النفس وهزيمة الضمير وخوف الإنسان من مواجهة الحقيقة.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد