أحمد الأسمري
لا يبدأ التاريخ عند الطفل من مقاعد الدراسة وحدها، بل من سؤال صغير قد يطرحه في يوم التأسيس أو اليوم الوطني: لماذا نحتفل؟ من هو الإمام محمد بن سعود؟ ما هي الدرعية؟ لماذا نعتز بأمجاد الملك عبد العزيز؟ وكيف أصبحت هذه البلاد وطناً واحداً ناهضاً بعد أن كانت مناطق متفرقة وطرقاً شاقة وحياة قلقة؟
هذه الأسئلة البسيطة ليست عابرة. إنها الباب الأول لعلاقة الطفل بتاريخ بلاده. فإن أجبناه بلغة ثقيلة، فقدّمنا له التاريخ كواجبات تعليمية فقط، ابتعد عنه.
وإن حكينا له التاريخ كقصة صادقة مشوقة، فيها الإنسان والمكان والقرار والشجاعة، اقترب منه، وربما ظل معه طويلاً.
إننا هنا نروي مسيرة دولة عظيمة بدأت من الدرعية، بإيمان وحلم وإخلاص، حتى غطّت معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، ووصلت إلى أرض الرافدين وبلاد الشام.
ثم عرفت فترات من الصعود والامتحان، قبل أن يأتي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ليوحّد الأرض والمجتمع، ويقيم المملكة الفتية، في أول وحدة حقيقية دوّنها التاريخ العربي الحديث.
هذه القصة الكبرى، وصولاً إلى ما نحن فيه، تحتاج أن تصل إلى الطفل بما يليق بها، لا أن تُختزل في عبارات عامة، ولا أن تثقل عليه بتفاصيل لا تناسب عمره.
الطفل يحتاج أن يفهم معنى الدولة قبل أن يحفظ تفاصيلها. أن يعرف أن الأمن لم يأت من فراغ، وأن الوحدة لم تكن أمراً يسيراً، وأن الوطن الذي يذهب فيه إلى مدرسته، ويسافر بين مناطقه، ويعيش بين أهله آمناً، هو نتاج تاريخ طويل من الكفاح والصبر والإرادة.
نحتاج أن نحكي له تاريخ البلاد -لا سيما المنعطفات الأساسية- بلغةٍ جذابة لا بلغةٍ جامدة، بلغة المشهد لا التلقين. يمكن أن يعرف الدرعية من خلال تجربة ثلاثية الأبعاد، وأن يتعرف على الإمام محمد بن سعود من خلال فيلم قصير، وأن يقترب من ملحمة فتح الرياض عبر عمل بصري يشرح له معاني الجرأة والإقدام التي تجسدت في شخصية عبد العزيز ورجاله، وأن يرى تاريخ المناطق بوصفها أجزاء من حكاية واحدة، لا معلومات متفرقة.
ولدينا اليوم أدوات لم تكن متاحة من قبل: الرسوم، الأفلام القصيرة، التطبيقات، الخرائط التفاعلية، الذكاء الاصطناعي، الألعاب المعرفية، المتاحف الحديثة، والرحلات المدرسية المرتبة بعناية.
هذه الأدوات قادرة على أن تجعل التاريخ قريباً من الطفل دون أن تفقده وقاره، فلا تنقص هيبة التاريخ إذا قُدم للطفل بذكاء، بل يزداد حضوراً في وجدانه.
المهم ألا نخاطب الطفل وكأنه نسخة صغيرة من الكبار.
الطفل لا يحتاج خطاباً طويلاً، بل يحتاج حكاية واضحة.
لا يحتاج أن نطلب منه أن يحب التاريخ، بل أن نمنحه سبباً ليحبه.
وحين يرى في تاريخ بلاده مفاهيم التضحية، والوفاء، والعمل، والاستمرار، سيكبر وهو يعرف أن هذا المنجز الذي يعيشه لم يأتِ مصادفة، ولم يبقَ صدفة.
كيف نحكي للطفل السعودي تاريخ بلاده؟
نحكيه كما نحكي الأشياء العظيمة، بصدق، وبساطة، واحترام، بل نجعله يرى الدولة في القصة، والقيادة في الموقف، والوطن في حياة الناس.
والطفل الذي يفهم تاريخ بلاده مبكراً، لا يحفظ الماضي فقط، بل يحمل معه معنى الانتماء إلى اليوم والتطلع نحو الأمام.