هويدا المرشود
كل امتلاك يفرض ضريبة مفتاحٌ جديد يضيف بابًا إلى قائمة القلق. بيتٌ أكبر يطالب بوقتٍ أطول. خزانةٌ ممتلئة تُبطئ قرارًا بسيطًا مثل اختيار ثوب. حتى الأفكار، كلما تراكمت من غير هضم، ازدحم العقل بما يشبه الأثاث الذي ضاق عنه المكان.
الثقافات القديمة لم تُكثر من الوصايا حول القناعة مصادفةً؛ كانت تعرف أن الإنسان يحمل ما يملك، أكثر مما يملك ما يحمل.
تجارة العالم تقوم على إقناع المرء بأن النقص عيب. إعلانٌ يعده باكتمالٍ مؤجل، وسوقٌ يفتح له رغبةً جديدة قبل أن يفرغ من الرغبة السابقة. تنتهي الصفقة، وتبدأ أخرى، ثم يصبح الامتلاك عملًا يوميًا، لا نهاية له، كأن الفراغ خطأ ينبغي إصلاحه. المفارقة تختبئ في مكان آخر. أكثر الناس قدرةً على الاستمتاع بالشيء، صاحب الشيء القليل. فالقليل يُرى كاملًا، أما الكثير فيتوزع حتى يبهت. قطعة واحدة من الخزف تحظى بعينٍ كاملة، ومئة قطعة تتقاسم النظرة حتى يضيع نصيب كل واحدة منها.
لهذا لا تُقاس الثروة بعدد ما يدخل البيت، بل بعدد ما يبقى حاضرًا في القلب. أشياء كثيرة تعبر حياتنا مثل المسافرين في محطة؛ تلوّح، ثم تمضي، من غير أن تترك اسمًا في الذاكرة.
في السعودية، ظلَّت قيمة المجلس أكبر من قيمة أثاثه، وقيمة الضيف أكبر من المائدة، وقيمة الكلمة أكبر من الزخرفة التي تحيط بها. ذلك الحس لم تصنعه المصادفة، بل خبرة طويلة فرّقت بين ما يُقتنى وما يُعتنى به. الحضارات ما تسقط من قلة الموارد دائمًا. أحيانًا تتعب من كثرة ما تحمل. الرفاه يمنح اليد خيارات أوسع، ويضع على البصيرة امتحانًا أشد. فما يُضاف إلى الحياة لا يزيدها بالضرورة، وقد يتحول إلى حملٍ يستهلك صاحبه بصمت.
السؤال الذي يستحق مكانه في نهاية الطريق بسيط: كم شيئًا نملكه.. وكم شيءٍ يملكنا؟