د. علي السويد
يقال إن الإنسان حيوان ناطق، لكن أحدًا لم يقل إن النطق دليل على الحقيقة. فالببغاء أيضًا ينطق، والسياسي ينطق أكثر، والإعلانات لا تتوقف عن النطق، ومع ذلك لم تُعرف الحقيقة يومًا بأنها سليلة اللسان، بل ابنة الأفعال.
فالحقيقة لا تتجلَّى فيما نقوله عندما يرانا الناس، بل فيما نفعله عندما تصبح أفعالنا بلا شهود. لأن الإنسان، حين يفقد جمهوره، لا يبقى معه إلا دينه الحقيقي؛ لا الدين الذي يعلنه، بل الدين الذي يحكم قراراته.
الحقيقة لا تسكن الحنجرة؛ فالحنجرة مسرح، والمسرح خُلق للإقناع. أما الحقيقة فتسكن تلك القرارات الصغيرة التي لا يراها أحد: ماذا تفعل حين تستطيع أن تخون ولا تُكشف؟ ماذا تختار حين لا يوجد تصفيق؟ وما الذي تؤمن به عندما لا تحتاج إلى إقناع أحد؟
ولهذا لا تكذب الأقدام كما يكذب اللسان. فاللسان يستطيع أن يعلن اتجاه الشمال، بينما القدم تمشي جنوبًا دون أن تشعر بالخجل. فالاتجاه الحقيقي للإنسان لا تحدده تصريحاته، بل خطواته.
والمفارقة المضحكة حد السواد أن معظم الناس لا يكذبون على الآخرين بقدر ما يكذبون على أنفسهم. فالكذب على الآخرين يحتاج إلى ذاكرة قوية، أما الكذب على النفس فلا يحتاج إلا إلى التكرار. كرر الفكرة ألف مرة، وستتحول من اختراع إلى هوية. ولهذا تجد الإنسان مستعدًا لأن يخسر عمره دفاعًا عن صورة اخترعها لنفسه منذ زمن طويل، فقط لأنه نسي أنها كانت اختراعًا.
وهنا يظهر الضمير في صورته الحقيقية. فهو ليس قاضيًا كما نتخيل، بل مؤرخًا. لا يمنع الجريمة، بل يسجلها. ومع كثرة التجاهل، يتوقف عن الاحتجاج؛ لا لأنه اقتنع، بل لأنه أدرك أن الوثائق لن تُقرأ. وهنا تبدأ الكوميديا السوداء: يظن الإنسان أن صمت ضميره شهادة براءة، بينما هو في الحقيقة استقالة شاهدٍ يئس من المحكمة.
ونحن لا نخدع الحقيقة؛ نحن فقط نؤجل موعد لقائها.
ولهذا يبدو الموت مخيفًا؛ ليس لأنه ينهي الحياة، بل لأنه ينهي إمكانية التحرير المستمر للسيرة الذاتية. فجأة تصبح الأفعال هي النص النهائي، وتسقط كل الحواشي. عندما لا يعود مهمًا كم مرة أعلنت أنك صادق، بل كم مرة اخترت الهوى على حساب الحق. ولا كم مرة تحدثت عن المحبة، بل كم مرة بقيت وفيًّا لها حين لم تعد تخدم مصلحتك.
ولعل هذا هو أكثر ما يثير السخرية في الإنسان: أنه يقضي عمره كله يحاول إقناع العالم بما هو عليه، بينما الحقيقة لا تسأل العالم أصلًا. إنها تسأل سؤالًا واحدًا، في غاية الوحشية والبساطة:
من تكون عندما لا تحتاج إلى أن تبدو أحدًا؟