رسيني الرسيني
قبل أن تبحث عن أسباب تراجع المنتخب الوطني، جرب مرة أن تزور إحدى المدارس الابتدائية ستجد عددًا غير قليل من الطلاب بين ضعف في البنية أو زيادة في الوزن، ثم انظر إلى اهتماماتهم اليومية، ستلحظ أن الشاشات استحوذت على مساحة أكبر من الملاعب. وبعد ذلك استمع إلى ما ذكره أحد لاعبي المنتخب عن عدم تجاوز الساعتين للتدريب اليومي مساءً دون حصص صباحية. عندها تصبح نتائج المنتخب في كأس العالم أقل إثارة للدهشة، لأن ما شاهدناه في المباريات هو انعكاس لنتيجة الثقافة الرياضية ونمط الحياة والاحتراف. فالمنتخب، هو الصورة التي يعكسها المجتمع عن نفسه داخل المستطيل الأخضر، خصوصًا لدولة تعشق هذه اللعبة.
في الاقتصاد، يستخدم الناتج المحلي الإجمالي لقياس كفاءة الاقتصاد وقدرته على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة. وبالمنطق نفسه، يمكن النظر إلى المنتخب الوطني باعتباره «الناتج المحلي للرياضة» مجازًا، فهو المؤشر الذي يعكس كفاءة المنظومة الرياضية بأكملها. وعندما يتراجع مستوى المنتخب، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على أداء المدرب أو اللاعب، وإنما يمتد إلى كفاءة المدارس وجودة برامج اكتشاف المواهب ومستوى الرعاية الصحية وثقافة ممارسة الرياضة ومدى تطبيق الاحتراف الحقيقي. فالمنتخب لا يصنع هذه العناصر، وإنما يكشف مستوى أدائها، تمامًا كما يكشف الناتج المحلي قوة الاقتصاد أو مواطن ضعفه، إلا في حالات الدول التي جنست لاعبيها أو استفادت من وجود لاعبين محترفين في الخارج.
من وجهة نظري، ينبغي أن يسير الحل في مسارين متوازيين: الأول هو مسار قصير الأجل يشبه ما يعرف في الاقتصاد بإدارة الأزمات أو خطط الطوارئ، بحيث يستهدف رفع جاهزية المنتخب قبل الاستحقاقات القريبة، وفي مقدمتها كأس آسيا لضمان الاستفادة القصوى من استضافة البطولة. وقد يكون من المناسب إعادة تجربة تفريغ اللاعبين لمعسكر طويل، كما حدث قبل المشاركة التاريخية في كأس العالم 1994، بما يتيح بناء الانسجام ورفع اللياقة وتطبيق برامج احترافية متكاملة في التدريب والتغذية والاستشفاء والانضباط اليومي. قد لا يكون هذا الحل مستدامًا، لكنه قد يحقق أثرًا سريعًا مثلها كمثل تفعيل الحكومات حزم إنقاذ اقتصادية لمعالجة أزمة طارئة.
أما المسار الثاني فهو الأهم، لأنه يمثل الإصلاح الاقتصادي الحقيقي للرياضة، يتمثل في تبني إستراتيجية وطنية طويلة المدى تعيد بناء منظومة إنتاج اللاعب منذ سنواته الأولى، بدءًا من الرياضة المدرسية وتحسين الصحة العامة للشباب وتطوير الأكاديميات والاستثمار في علوم الأداء والبيانات الرياضية. فالمنتخب ليس مشروعًا يُبنى قبل بطولة، وإنما مخرجات منظومة تعمل بكفاءة لعشرات السنين. وعندما تتحسن هذه المنظومة، سيرتفع «الناتج المحلي للرياضة» أعني يرتفع أداء المنتخب تلقائيًا وتصبح النتائج في البطولات الكبرى انعكاسًا طبيعيًا لجودة الاستثمار في الإنسان، لا مفاجأة تنتظرها الجماهير كل أربع سنوات.
حسنًا، ثم ماذا؟
يقول الكاتب علي الشدوي: «كرة القدم ليست مجرد لعبة، ولا مجموعة من اللاعبين يتناقلون الكرة، بل صورة مصغرة للمجتمع». وفي موضع آخر يقول: «ما نشاهده في تسعين دقيقة ليس إلا ما زرعناه على امتداد السنوات».