م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
هل يمكن تصنيف المجتمعات إلى مجتمعات نفعية أو عملية تهتم بالمصلحة، وأخرى حالمة تهتم بالآداب والفنون، وثالثة مفكرة تهتم بالفكر والفلسفة، ورابعة حرفية تهتم بالإنتاج ...إلخ؟ وهل هناك خصائص مجتمعية تجعل من مجتمع ما مجتمع خدمات تزدهر لديهم السياحة مثلاً، أو مجتمع تصنيع يمتازون بالصناعة، وثالث يتكسَّب أفراده من التجارة؟
يرى مفكرو الاجتماع أن المجتمعات في قبضة التاريخ، وأن ما تتوارثه من نسق اجتماعي هو المتحكم في مسارها.. بمعنى أن حاضر كل مجتمع ما هو سوى امتداد لماضيه.. يتطبع بطبعه ويواصل مسيرة الذين من قبله.. أو كما عَبَّر المفكر الإنجليزي (جون همرتن): «الماضي يقبض على الحاضر بيد من حديد».. لذلك فإن بروز قيادات مجتمعية يغيرون مسار التاريخ يعد حدثاً تاريخياً يجعل من ذلك القائد قائداً تاريخياً، وهؤلاء قلة نادرة.
هل الموتى يتكلمون؟ هذا ما يؤكد عليه الفيلسوف الفرنسي (فوجيه).. فهو يرى أنهم هم الذين يتحكمون بنا وبتفكيرنا وتوجيه رؤيتنا، وبالتالي حُكْمنا على الأمور.. وذلك لأنهم بكل بساطة ذائبون في دمنا وعظامنا، يؤثرون في أرواحنا ويشكلون عقولنا.. وأنه مهما تقدمت المجتمعات تقنياً ومعرفياً إلا أنها تظل أسيرة تاريخها يتحكم بها من حيث لا تشعر.
لا شيء يلغي النسق الثقافي للمجتمعات، بما في ذلك التعليم الذي نُظر إليه كوسيلة تصحيح وتوجيه للثقافات المجتمعية.. فالتعليم لم يتجه نحو تصحيح النسق الثقافي للمجتمعات، بل اتجه نحو تخريج الكوادر المهنية العاملة في مختلف مجالات الحياة المعاصرة وترك ثقافة المجتمع لظروفه.. فالظروف الاقتصادية أو البيئية أو السياسية والعادات والتقاليد المتوارثة هي التي تؤثر في ثقافة المجتمعات، وبالتالي تشكل النسق الثقافي لها.
من هنا يتضح لنا أسباب المقاومة الفطرية للأفكار والفلسفات الخارجة عن المعتاد والسائد.. لأنها تتصادم مع ما تم تلقينه للمجتمع وتختلف عمَّا اعتاده وتربى عليه.. لذلك فإن مقاومة التغيير سمة بشرية سائدة، والرواد فقط هم الذين سيقبلون به طواعية، أما الآخرون فسيتم إجبارهم على قبوله.
التحولات السياسية الكبرى والأحداث العظيمة كالحروب والكوارث أو الحكم العسكري أو القيادات التاريخية هي التي تستطيع فرض التأثيرات الفورية على المجتمع عن طريق الإجبار ومحدودية الخيارات.. فالقضية أمام أفراد المجتمع في تلك الحالات لم تعد قضية اقتناع من عدمه، بل إما اتباع يؤدي للتغيير أو مقاومة تؤدي للتلف.
في ظل الأحداث العظيمة أو الطارئة تبرز التوازنات التي يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار.. وتظهر أهمية اقتران القوة بالفكر لتصحيح وضع قائم وتعديله لصالح المجتمع، وذلك بفرض أنظمة وقوانين لم يكن من السهل تبنيها أو تطبيقها في الأوضاع العادية.. من هنا تأتي أهمية القيادة السياسية والقرارات التي تطبقها، ويتحدد على ضوئها الأوضاع الحياتية لكل مجتمع سلباً أو إيجاباً.. فالقيادة هي التي تستطيع أن تفرض النظام والمذهب وتغير العادات والتقاليد وتطور في السلوكيات.. ثم بمرور الزمن يتطبع به أفراد المجتمع ويصبح أسلوب حياة تعتاده أجيال ذلك المجتمع.. وتكون نتيجته إما تقدماً منفتحاً أو تخلفاً منغلقاً.. ذلك التغيير يبني مع الوقت مناهجه وتقاليده وأعرافه التي تصبح هي السائدة.. وعلى خطاها يسير المجتمع إما تقدماً أو تخلفاً.
الخلاصة التي يثبتها التاريخ أن الأصل في الإنسان أنه يرفض التغيير إلا إذا أُجْبِر عليه.. فالإنسان لا يتغير لمصلحة، بل يتغير تحت تهديد.