فائز بن سلمان الحمدي
إذا أقبل موسم الحج، واهتزّت القلوب شوقًا إلى البيت العتيق، وانحدرت أفواج المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها تلبيةً لنداء الخليل عليه السلام، تجلّت في المشاعر المقدسة صورةٌ فريدة من صور العناية الربانية التي سخّر الله لها رجالًا ومؤسساتٍ جعلت خدمة ضيوف الرحمن شرفًا تتسابق إليه الهمم، وميدانًا تتبارى فيه الإنجازات.
وفي طليعة تلك المنظومات المباركة تبرز وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، بوصفها حارسًا للرسالة، وراعيةً للشعيرة، ومؤتمنةً على جانبٍ عظيم من جوانب الرحلة الإيمانية التي يعيشها الحاج في أعظم مواسم الإسلام. فليست مهمتها مجرد تهيئة مرافق أو تشغيل خدمات، وإنما هي رسالة تتجاوز حدود الإدارة إلى آفاق الهداية، وتتسامى عن نطاق التنظيم إلى شرف الإعانة على العبادة. إنها تسعى إلى أن يجد الحاج في كل خطوةٍ من خطواته معينًا على الطاعة، ومهيئًا للخشوع، ومذكّرًا بعظمة المقصد الذي جاء من أجله.
وفي رحاب المشاعر المقدسة تقف المساجد شامخةً بهيّةً، وقد اكتملت لها أسباب الجاهزية والعناية، فغدت مناراتٍ للإيمان، ومحاضن للسكينة، ومرافئ للقلوب المتعبة من عناء السفر. هناك تتجلى أعمال التهيئة والصيانة والتشغيل والنظافة والتكييف والإنارة والصوتيات وسائر مرافق الخدمة في صورةٍ متكاملة، حتى يؤدي الحاج عبادته في أجواءٍ تفيض وقارًا وطمأنينةً وخشوعًا. وقد شملت هذه العناية تجهيز المساجد الرئيسة في المشاعر المقدسة، وفي مقدمتها مسجد نمرة، ومسجد المشعر الحرام، ومسجد الخيف، ومسجد حجاج البر، لتظل شاهدةً على ما توليه المملكةُ من اهتمامٍ ببيوت الله في أعظم مواسم العبادة.
وإذا كانت المشاعر المقدسة قلب الحج النابض، فإن المساجد والجوامع المنتشرة على طرق الحجاج وفي أرجاء المملكة شرايين هذا القلب المبارك؛ إذ امتدت إليها يد العناية والرعاية لتشمل أكثر من عشرين ألف مسجدٍ وجامعٍ على طرق الحجاج ومقار إقامتهم، منها ألف وستمائة وخمسون جامعًا ومسجدًا داخل حدود الحرم والمنطقة المركزية، فتهيأت لاستقبال الملايين من ضيوف الرحمن في أبهى صور الجاهزية والتنظيم.
كما شهد الموسم إقامة أكثر من مائة وستين ألف منشطٍ دعوي وإرشادي، تنوعت موضوعاته ووسائله، لتبقى بيوت الله منارات هدى، ومجالس علم، ومواطن ذكرٍ ودعاء.
أما في ميدان التوعية والإرشاد، فتتجلى عالمية الإسلام بأبهى صورها؛ إذ تنطلق الكلمة الهادية بلغاتٍ شتى، وتُبذل الطاقات في تعليم المناسك وبيان الأحكام وتصحيح المفاهيم وإرشاد الحجاج إلى ما يعينهم على أداء نسكهم على بصيرة. وقد سخّرت الوزارة لهذا الشرف ألفًا وثمانمائة واثنين وعشرين داعيةً، ومائتين وعشرين مترجمًا، حملوا رسالة العلم والرفق والحكمة إلى وفود الرحمن من مختلف الجنسيات والثقافات.
كما وُزِّعت أكثر من مليون وأربعمائة ألف مادة توعوية بسبعٍ وعشرين لغة عالمية، وأُهدي الحجاج ما يقارب مليونًا وتسعمائة وسبعة عشر ألف نسخة من المصحف الشريف وترجماته ومعانيه بأكثر من ثمانين لغة، ليبقى نور القرآن حاضرًا في رحلتهم الإيمانية، ورفيقًا لهم في أيامهم المباركة.
ولم تكتفِ الوزارة بالكلمة المباشرة والمطبوعات الورقية، بل وسّعت آفاق رسالتها لتبلغ الحاج حيثما كان؛ فبُثَّت أكثر من مائةٍ وعشرين مليون رسالةٍ نصيةٍ بلغات متعددة إلى هواتف الحجاج، تحمل التوجيه والتعليم والإرشاد، وتعينهم على فهم أحكام المناسك وأدائها على الوجه المشروع. وهكذا التقت الرسالة الدعوية بالوسائل الحديثة، واجتمع صدق المقصد مع تطور الأداة، في مشهدٍ يعكس وعيًا عميقًا بمتطلبات العصر وأدوات التأثير فيه.
ثم تأتي التقنية الحديثة لتضيف إلى هذا الجهد بعدًا حضاريًا متقدمًا؛ حيث سخّرت الوزارة المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية والشاشات التفاعلية لنشر المعرفة الشرعية وإيصال الرسائل التوعوية بأيسر السبل وأسرعها. ففُعِّلت التطبيقات الإرشادية متعددة اللغات، ووُظِّفت الشاشات الذكية لتقديم الخدمات التوعوية والتعليمية، كما أُتيحت خدمة الاتصال اللاسلكي المجاني في مواقع وجود الحجاج، ودُعمت المنافذ الحدودية ومراكز الاستقبال ومساجد المواقيت بأجهزة الاتصال المرئي للفتاوى الشرعية، ليحصل الحاج على المعلومة الصحيحة والخدمة المناسبة في الوقت الذي يحتاجها فيه. وهكذا التقت أصالة الرسالة بحداثة الوسيلة، واجتمع نور الوحي مع منجزات العصر، في صورةٍ تعكس فقهًا راسخًا للمرحلة واستشرافًا واعيًا للمستقبل.
ولم تقف الجهود عند حدود الإرشاد والتوعية، بل امتدت إلى كل ما يحقق راحة الحجاج ويخفف عنهم المشقة؛ من استكمال مشروعات تلطيف الأجواء وخفض الحمل الحراري في الساحات والمرافق، إلى مشروعات السقيا التي تروي الظمأ وتعين الجموع المحتشدة في ساعات الزحام.
وقد تجاوزت الطاقة الاستيعابية لمشروع سقيا الحجاج في مسجد الخيف ومشعر مِنًى مائةً وثلاثةً وعشرين ألف حاجٍّ في الساعة الواحدة، في صورةٍ تجسد روح الرحمة والعناية، وتؤكد أن كل خدمةٍ تُقدَّم لضيوف الرحمن تنطلق من رؤيةٍ تجعل راحتهم مقصدًا، وطمأنينتهم غايةً، وخدمتهم شرفًا وأمانة.
إن المتأمل في هذه المنظومة المتكاملة يدرك أنه أمام نموذجٍ حضاري فريد، تتعانق فيه قداسة الرسالة مع احترافية الأداء، وتلتقي فيه القيم الإيمانية مع أعلى معايير التخطيط والتنفيذ. فوزارة الشؤون الإسلامية في موسم الحج لا تؤدي واجبًا إداريًا فحسب، بل تنهض برسالةٍ جليلة تُسهم في صناعة تجربة إيمانية استثنائية لملايين المسلمين الذين وفدوا إلى أطهر بقاع الأرض.
وإذا كانت هذه المنظومة المتكاملة قد أثمرت هذا المستوى الرفيع من الجاهزية والتميز، فإن وراءها قيادةً إداريةً واعية أدركت عظمة المسؤولية واستشعرت شرف الخدمة. فقد كان لمعالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد دورٌ بارز في توجيه مسارات العمل ومتابعة تفاصيله، مستنيرًا برؤيةٍ تجعل من خدمة ضيوف الرحمن رسالةً تتجاوز حدود الأداء الوظيفي إلى آفاق العبادة والإحسان. ومن خلال إشرافه المباشر، ومتابعته المستمرة للمشروعات والمبادرات والبرامج الدعوية والإرشادية، تآلفت الجهود وتكاملت الطاقات، وانعكس ذلك على جودة الخدمات المقدمة للحجاج وانتظامها، حتى غدت أعمال الوزارة في موسم حج عام 1447هـ نموذجًا يُحتذى في الجمع بين أصالة الرسالة واحترافية التنفيذ.
فكان حضوره الإداري والفكري ركيزةً من ركائز النجاح، وعنوانًا لما تحقق من تميزٍ في خدمة ضيوف الرحمن، في موسمٍ تجلت فيه معاني الإتقان، وتآلفت فيه الجهود تحت قيادةٍ جعلت من خدمة الحاج رسالةً تُؤدى بإخلاص، وأمانةً تُحمل بشرف، وواجبًا يُنجز بأعلى درجات الكفاءة والاقتدار.
وهكذا تبقى جهود الوزارة صفحةً ناصعة في سجل العناية بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وشاهدًا حيًا على ما تبذله المملكة العربية السعودية من أعمالٍ جليلة في خدمة الإسلام والمسلمين. إنها جهودٌ تُكتب بماء الفخر، وتُسطر بأحرف الوفاء، وتبقى عنوانًا خالدًا لرسالةٍ عظيمة مفادها أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مهمةً تؤدى، بل شرفٌ يُصان، وأمانةٌ تُحمل، وعبادةٌ يُبتغى بها وجه الله الكريم.