عبدالرحمن العطوي
حين يُذكر اسم تبوك فإن الحديث لا يكون عن مدينة عابرة في أطراف الوطن، بل عن أرض اختصر الله فيها عظمة التاريخ وروعة الجغرافيا وجمال الطبيعة وعمق الحضارة، فهي المدينة التي عبرت إليها القوافل منذ آلاف السنين وهي الأرض التي تشرفت بخطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، فبقي اسمها خالداً في صفحات الإسلام وأصبحت شاهدة على أن هذه البقعة لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ بل كانت دائماً في قلب الأحداث وصناعة المجد.
تبوك وهبها الله موقعاً جغرافياً لا ينافسها فيه كثير من المدن فهي بوابة المملكة العربية السعودية الشمالية الغربية، وتجاور بلاد الشام وتقف على مقربة من أرض الكنانة مصر وتطل بسواحلها الممتدة على البحر الأحمر حتى أصبحت جسراً يربط الجزيرة العربية بالشام ومصر وأوروبا، ومنذ قرون طويلة كانت بوابة الحجاج القادمين براً من بلاد الشام وأوروبا ومصر يعبرون من خلالها إلى أطهر بقاع الأرض يحملون الشوق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتحمل لهم تبوك الأمن والطمأنينة وحسن الاستقبال حتى ارتبط اسمها في وجدان المسلمين بطريق الحج كما ارتبط بتاريخ القوافل والتجارة والحضارات.
في تبوك تتجلى الطبيعة في أبهى صورها فتقف جبال حسمى شامخة بألوانها الصخرية الفريدة وتكويناتها المهيبة وكأنها متحف مفتوح نحتته يد الزمن لتروي للأجيال قصة الأرض منذ آلاف السنين، بينما تمتد شواطئها على البحر الأحمر في لوحة آسرة من الصفاء والجمال حيث المياه الفيروزية والرمال الذهبية والجزر البكر التي تجعل من ساحل تبوك واحداً من أجمل السواحل في المملكة بل وفي المنطقة بأسرها، وحين يلتقي البحر بالجبل في هذه الأرض يدرك الإنسان أنه أمام مشهد لا تمنحه الطبيعة إلا للأماكن الاستثنائية.
وإذا جاء الصيف تبدلت المفاهيم ففي الوقت الذي تبحث فيه المدن عن نسمة باردة تهب تبوك زائريها اعتدال الطقس ونقاء الهواء وروعة الأمسيات، فتتحول إلى ملاذ لكل من يبحث عن الجمال والهدوء والسكينة وكأنها تقول إن للطبيعة هنا لغة أخرى لا يعرفها إلا من عاش تفاصيلها وتأمل سحرها.
من قلب هذه الأرض خرجت واحدة من أعظم قصص النجاح الزراعي في المملكة حين تحولت مساحات واسعة إلى واحات خضراء تنتج القمح والبطاطس والفواكه والخضراوات والورود حتى أصبحت تبوك سلة غذاء للوطن، وشاهداً حياً على أن الرؤية الطموحة والعمل المخلص قادران على تحويل الصحراء إلى حياة، وأن الإنسان السعودي إذا آمن بأرضه صنع منها معجزة تستحق أن تروى للأجيال.
ولأن المدن العظيمة تحتاج إلى رجال يصنعون نهضتها فقد اقترن اسم تبوك طوال العقود الأربعة الماضية بصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك الذي لم يكن مسؤولاً يدير منطقة فحسب بل أصبح عنواناً لمرحلة كاملة من البناء والتنمية حتى امتزج اسمه باسم تبوك في ذاكرة الوطن، فشهدت المنطقة في عهده نهضة شاملة مست الإنسان قبل المكان وأصبحت واحدة من أكثر مناطق المملكة نمواً وحضوراً واستعداداً للمستقبل بما تحقق فيها من مشروعات تنموية واقتصادية وسياحية وزراعية وتعليمية وصحية حتى غدت نموذجاً وطنياً يشار إليه بالإعجاب والتقدير.
يمضي هذا العطاء بثقة وتكامل مع صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سعود بن عبدالله الفيصل نائب أمير منطقة تبوك الذي يواصل مسيرة العمل الميداني والمتابعة المستمرة لكل ما يخدم المنطقة وأهلها ويعزز مكانتها في ظل القيادة الحكيمة التي جعلت الإنسان السعودي محور التنمية وغايتها.
وعلى امتداد ما يقارب ثلاثة عقود من عملي مديراً لمكتب صحيفة الجزيرة في تبوك لم أكتب عن هذه المنطقة من خلف المكاتب بل عشت تفاصيلها ورأيت تحولاتها ورافقت إنجازاتها، وشاهدت كيف كانت القيادة قريبة من المواطن وكيف أصبحت تبوك ورشة عمل مفتوحة لا تتوقف، وكيف تحولت الأحلام إلى منجزات والوعود إلى واقع حتى غدت هذه الأرض صفحة مضيئة في سجل هذا الوطن الكبير الغالي.
لهذا فإن تبوك ليست مجرد مدينة على خارطة المملكة بل هي وطن داخل وطن، وهي قصة وفاء بين الأرض والإنسان وهي بوابة التاريخ وطريق الحجاج ولؤلؤة الشمال وسيدة جبال حسمى وواحة الزراعة ووجهة الجمال، وستبقى - بإذن الله - كما كانت دائماً عنواناً للمجد ومقصداً للطامحين وصفحة لا يكتمل الحديث عن المملكة العربية السعودية إلا إذا بدأ منها وانتهى إليها.