حوار - وائل العتيبي - خاص لـ«الجزيرة»:
وسط حراك سينمائي سعودي يتسارع عامًا بعد آخر، لم يعد السؤال يدور حول قدرة السينما السعودية على إثبات حضورها، بل حول مستوى هذا الحضور وجودته الفنية، ومدى قدرته على منافسة التجارب الإقليمية والعالمية. وفي هذا المشهد المتنامي، يظل النقد السينمائي شريكًا أساسيًا في قراءة المنجز، ورصد التحولات، والإشارة إلى مواطن القوة والجوانب التي لا تزال بحاجة إلى تطوير.
ويُعد الناقد والباحث السعودي خالد ربيع السيد من أبرز الأسماء التي واكبت التجربة السينمائية السعودية منذ سنوات، عبر مؤلفاته ودراساته وقراءاته النقدية التي وثّقت مراحل تطورها وناقشت قضاياها الفنية والجمالية.
وعلى هامش مشاركته في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، فتح خالد ربيع السيد لـ«الجزيرة» نافذة للحديث عن مستوى الأفلام المشاركة، وما حققته السينما السعودية من نضج خلال السنوات الأخيرة، كما توقف عند أبرز نقاط القوة والقصور، وأبدى رأيه في عدد من الأعمال المشاركة، قبل أن يوجه رسالة لصناع الأفلام والنقاد، ويقيّم تجربة المهرجان وتنظيمه:
* كيف تقيّم المستوى العام للأفلام المشاركة في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية؟
- لا أبالغ إذا قلت إن الدورة الثانية عشرة كشفت عن تطور ملحوظ في مستوى الأفلام المشاركة، وإن كان هذا التطور امتدادًا لحالة النضج التي تعيشها السينما السعودية خلال السنوات العشر الماضية. ويعود ذلك إلى الدعم المؤسسي والرسمي الذي حظيت به صناعة السينما في ظل رؤية المملكة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على جودة مختلف عناصر العمل السينمائي.
* ما أبرز مظاهر هذا التطور؟
- أصبح صناع الأفلام أكثر تأنّيًا في مرحلة الكتابة، وأكثر حرصًا على تقديم سيناريوهات رصينة تقوم على حبكات منطقية تخدم روح الموضوع. كما لاحظت اهتمامًا أكبر بالمعالجة البصرية، سواء في اختيار مواقع التصوير أو تصميم البيئات الداخلية التي تعكس تفاصيل الحياة السعودية، إلى جانب تطور واضح في عناصر الملابس والإضاءة، وهو ما منح كثيرًا من الأعمال مستوىً بصريًا أكثر نضجًا.
* في المقابل، ما أبرز الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى تطوير؟
- أرى أن الموسيقى التصويرية لا تزال تمثل الحلقة الأضعف في بعض الأفلام، إذ لا يزال بعض صناعها يعتمدون على موسيقى متأثرة بالنمط الغربي أو الموسيقى الإلكترونية، بل وحتى الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يضفي على بعض الأعمال طابعًا آليًا وجمودًا مصطنعًا، بدلًا من أن تكون الموسيقى عنصرًا دراميًا يعمّق الإحساس ويخدم السرد.
* هل لفتت انتباهك أعمال نجحت في توظيف الموسيقى والمؤثرات بصورة مميزة؟
- بالتأكيد. من بين الأعمال التي لفتت انتباهي فيلم «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، وكذلك فيلم «هجرة» للمخرجة شهد أمين، حيث جاء توظيف الموسيقى والمؤثرات البصرية والصوتية متناغمًا مع البناء الدرامي للفيلم.
* كيف وجدت مستوى الأفلام القصيرة المشاركة؟
- الأفلام القصيرة اهتمت بالموضوع والقصة أكثر من اهتمامها بإيقاع السرد والزمن السينمائي، وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ لأن بطء الإيقاع قد يقود إلى الملل وشرود ذهن المشاهد، خصوصًا عندما يصاحبه حوار هادئ أو مونولوج داخلي طويل.
* وهل انعكس ذلك على تجربتك الشخصية أثناء المشاهدة؟
- نعم، وأقول ذلك بكل صراحة. أثناء مشاهدة بعض مجموعات الأفلام القصيرة وجدت نفسي، في بعض الأعمال، أشعر بالنعاس، أو ألجأ إلى هاتفي لتصفح الأخبار أو الرد على الرسائل، وهذا مؤشر على أن الفيلم لم ينجح في الحفاظ على انتباه المتلقي. وربما شاركني بعض الحضور الشعور نفسه.
* ما أبرز الأعمال التي استوقفتك في مسابقة الأفلام القصيرة؟
- أرى أن فيلم «مرزوق» للمخرج حسن محفوظ من أبرز أفلام الدورة، فقد تكاملت فيه عناصر العمل السينمائي بصورة لافتة، وكان واضحًا حجم العناية المبذولة في أدق تفاصيله، ما جعله قادرًا على جذب المشاهد وإدخاله إلى عالمه منذ اللحظات الأولى.
* وهل هناك أعمال أخرى تستحق الإشادة؟
- أود الإشارة أيضًا إلى فيلم «نور»، وهو فيلم وثائقي (سيرة ذاتية) للمخرج عمر المقري، وكذلك فيلم «يوم العزاء الأول» للمخرج نواف الحوشان، الذي قدّم فيه الفنان أسامة القس أداءً متميزًا يعكس نضجًا تمثيليًا واضحًا.
* بعد اثنتي عشرة دورة.. كيف تنظر إلى المكانة التي وصل إليها مهرجان أفلام السعودية؟
- أعتقد أن المهرجان تجاوز مرحلة التعريف بالسينما السعودية، وأصبح منصة حقيقية لعرض التجارب الجديدة، وملتقى يجمع صناع الأفلام والنقاد والمهتمين، كما أسهم في اكتشاف مواهب شابة ومنحها فرصة الظهور، وهو ما جعله أحد أهم المهرجانات السينمائية في المنطقة.
* هل يواكب النقد السينمائي السعودي هذا التطور الذي تشهده صناعة الأفلام؟
- النقد شريك في تطور السينما، وكلما تطورت الصناعة، ازدادت الحاجة إلى نقد متخصص وعميق، يقرأ الأفلام بمعايير فنية وموضوعية، بعيدًا عن المجاملات أو الأحكام الانطباعية، لأن النقد الحقيقي يسهم في تطوير التجربة ولا يقف عند حدود الإشادة أو الرفض.
* ما الذي تحتاجه السينما السعودية للحفاظ على هذا الزخم خلال السنوات المقبلة؟
- المحافظة على جودة النصوص، والاستمرار في تطوير أدوات صناعة الفيلم، والاهتمام بالموسيقى التصويرية والإيقاع السينمائي، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية، كلها عوامل ستسهم في ترسيخ مكانة السينما السعودية إقليميًا ودوليًا.
* تشارك السينما الكورية هذا العام في المهرجان.. كيف تنظر إلى أهمية هذه المشاركة؟
- تمثل مشاركة السينما الكورية فرصة مهمة لتبادل الخبرات مع واحدة من أنجح التجارب السينمائية في العالم، والاستفادة من نموذجها في بناء صناعة متكاملة جمعت بين الهوية المحلية والحضور العالمي. كما تفتح آفاقًا للتعاون في مجالات الإنتاج والتدريب والتوزيع، وتعزز مكانة مهرجان أفلام السعودية بوصفه منصة للحوار الثقافي والسينمائي، بما يدعم تطور السينما السعودية ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030.
* وهل ترى أن النقد السينمائي السعودي يحظى بالمساحة التي يستحقها داخل - المهرجانات؟
الدور النقدي اليوم لا يقل أهمية عن صناعة الفيلم نفسها، بل هو أحد أهم أدوات التطوير. وأتمنى أن تحظى الكفاءات النقدية السعودية بحضور أوسع في الدورات المقبلة، سواء عبر الندوات أو من خلال تقديم أوراق بحثية ونقدية توثق تجربة المهرجان وتثري المكتبة السينمائية السعودية. فالمهرجان لا ينتهي بانتهاء عروض الأفلام، وإنما يبقى أثره فيما ينتجه من معرفة ونقاش علمي.
* ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحافة الفنية في دعم الحركة السينمائية؟
- أؤمن بأن الصحافة الفنية ليست مجرد منصة لتغطية الفعاليات، بل شريك فاعل في تطوير المشهد الثقافي والإبداعي. ودورها الحقيقي يتمثل في قيادة مسيرة التجويد والارتقاء بالمحتوى الفني عبر النقد المهني المسؤول، بعيدًا عن التجريح أو الإثارة. فالنقد الذي يكشف جوانب القوة ويشير إلى فرص التطوير هو الذي يسهم في بناء صناعة سينمائية أكثر نضجًا واستدامة.
* كيف تلخص انطباعك عن الدورة الثانية عشرة؟
- بشكل عام، أنا راضٍ إلى حد كبير عن مستوى الأفلام المشاركة، سواء على مستوى الكتابة، أو المعالجة البصرية والصوتية، أو الأداء التمثيلي، الذي أراه جاء موفقًا في معظم الأعمال. وهذا يؤكد أن السينما السعودية تمضي بثبات نحو مرحلة أكثر نضجًا واحترافية.
* كلمة أخيرة؟
- لا يفوتني أن أتقدم بالشكر لإدارة مهرجان أفلام السعودية على التنظيم المتميز وحفاوة الاستقبال التي حظي بها الضيوف. كما أقدر الجهود الكبيرة التي بذلتها جمعية السينما بقيادة الأستاذ هاني الملا، والسينمائي والشاعر أحمد الملا، والأستاذة ماريا الخنيزي، وجميع فريق العمل. كما أشيد بالدور الكبير الذي قام به مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، بقيادة الأستاذ طارق الخواجي، في إنجاح هذه الدورة، وتقديمها بصورة تليق بما وصل إليه المهرجان من مكانة.