د. ياسين علي محمد عزي
حين أعلن الاتحاد السعودي لكرة القدم فتح الطريق لاختيار قيادة جديدة للمرحلة المقبلة، عقب نهاية مرحلة إدارية امتدت لسنوات، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه إجراء تنظيمي طبيعي تعيشه أي مؤسسة رياضية كبرى. غير أن التأمل في طبيعة اللحظة نفسها، وفي الشروط الدقيقة التي أعلنها الاتحاد للترشح، يكشف أن المسألة أبعد بكثير من مجرد البحث عن رئيس جديد؛ لأننا في الحقيقة لا نعيش لحظة تغيير إداري عابر، بل لحظة تعيد فيها الرياضة السعودية تعريف مفهوم القيادة نفسها.
لقد اعتاد كثيرون النظر إلى القيادة الرياضية بوصفها خبرة تراكمية، أو قدرة على إدارة الملفات، أو سجلًا من العلاقات والإنجازات السابقة. لكن الرياضة السعودية لم تعد تتحرك داخل المساحة التقليدية ذاتها. فمنذ أن تحولت الرياضة، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، إلى أحد وجوه الحضور السعودي العالمي، لم تعد المؤسسات الرياضية مجرد كيانات تشرف على البطولات أو تنظم المنافسات، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني كبير يعيد تشكيل صورة المملكة بوصفها دولة تصنع مستقبلها بثقة، وتعيد تعريف أدوات قوتها الناعمة أمام العالم.
وحين تصل الرياضة إلى هذه المرحلة، يصبح من الطبيعي أن نعيد طرح سؤال مختلف: ما الذي يصنع القيادة الرياضية الحديثة فعلًا؟ وهل تكفي الخبرة الإدارية وحدها لقيادة مؤسسة أصبحت جزءًا من صورة وطن كامل؟
في تقديري، هناك عنصر ظل طويلًا خارج دائرة النقاش العربي رغم مركزيته الحقيقية في بناء المؤسسات الرياضية الحديثة، ألا وهو اللغة.
وقد يبدو غريبًا أن نتحدث عن اللغة ونحن نناقش مستقبل اتحاد كرة قدم، لكن الحقيقة أن الرياضة المعاصرة لم تعد مجرد أداء داخل الملعب، بل منظومة بشرية شديدة التعقيد، تتحرك فيها العلاقات بين اللاعب، والمدرب، والإداري، والجمهور، والإعلام، والراعي، والمؤسسات الدولية. وفي مثل هذه البيئات، لا تُمارس القيادة عبر القرار وحده، بل عبر القدرة على صناعة معنى مشترك يجعل المؤسسة كلها تتحرك في اتجاه واحد.
ومن اللافت أن هذا السؤال ليس تنظيرًا مجردًا. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، وضع الباحث باكياناثان تشيلادوراي، أحد أبرز الأسماء المؤسسة في علم النفس الرياضي، ما يعرف بالنموذج متعدد الأبعاد في القيادة الرياضية، وهو نموذج ما يزال من أكثر الأطر العلمية حضورًا في هذا المجال. وقد خلص هذا النموذج إلى نتيجة جوهرية: نجاح القائد الرياضي لا تحدده شخصيته فقط، بل قدرته على التكيف مع خصائص اللاعبين، وطبيعة الموقف، والبيئة التي يعمل داخلها. وبصياغة أكثر بساطة، القائد الناجح لا يملك خطابًا واحدًا صالحًا لكل المواقف، بل يعرف كيف يتحدث بالطريقة المناسبة، للشخص المناسب، في اللحظة المناسبة.
ولعل هذا ما يفسر أن السعودية بدأت تتعامل بوضوح مع الإدارة الرياضية بوصفها مجالًا احترافيًا لا مجرد تجربة إدارية. ويكفي أن نشير إلى البرامج التنفيذية المتقدمة التي تقدمها جامعة الملك سعود بالشراكة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم والمركز الدولي للدراسات الرياضية لتأهيل القيادات الرياضية الحديثة، وهو ما يعكس إدراكًا سعوديًا واضحًا بأن الرياضة الجديدة لم تعد تحتاج إلى الإداري التقليدي وحده، بل إلى قيادة قادرة على فهم الاستراتيجية، والتواصل، وصناعة الثقافة المؤسسية القادرة على الاستمرار.
وفي السياق الخليجي القريب، كشفت دراسة علمية نشرت عام 2022 في مجلة علوم الرياضة والتربية البدنية بجامعة الملك سعود حول القيادة التحويلية في الأندية الرياضية بمملكة البحرين، أن أكثر الأبعاد حضورًا في نجاح القائد الرياضي لم تكن مرتبطة بالسلطة أو المركز الإداري، بل بما يعرف بالتحفيز الإلهامي، يليه التأثير المثالي أو الكاريزمي، ثم الاهتمام الفردي، فالاستثارة الفكرية. وهذه النتيجة شديدة الأهمية؛ لأنها تقول بوضوح إن القيادة الرياضية الفاعلة لا تبدأ من فرض السلطة، بل من القدرة على التأثير النفسي والفكري في الآخرين، وهي عملية لا تتحقق إلا عبر المعرفة والإدراك الجيد بلغة التواصل ومهارات الحديث.
لكن المفارقة اللافتة أن معظم الدراسات العربية في القيادة الرياضية انشغلت طويلًا بقياس أنماط القيادة والسلوك الإداري، بينما نادرًا ما توقفت عند السؤال الأكثر دقة: ماذا عن لغة القائد نفسه؟ كيف يصوغ التعليمات؟ كيف يبني الثقة؟ كيف يفسر الإخفاق؟ كيف يستخدم الكلمات التي تمنح المؤسسة شعورًا جماعيًا موحدًا بدل أن تتحول إلى جزر منفصلة؟
هذا السؤال تحديدًا بدأ يفرض نفسه بقوة في الأدبيات الدولية الحديثة. ففي دراسة نشرت عام 2023 في مجلة «فرونتيرز في الرياضة والحياة النشطة» “Frontiers in Sports and Active Living”، حذر الباحثون كاثرين جونستون وألكسندر ماكولي وآدم كيلي وجوزيف بيكر من أن المؤسسات الرياضية الحديثة تواجه ما وصفوه بأزمة «ضبابية المصطلحات الرياضية». كلمات مثل الموهبة، والنخبة، والجاهزية، والشخصية، والعقلية التنافسية، تبدو متداولة يوميًا داخل المؤسسات الرياضية، لكنها إذا استخدمت دون تعريفات دقيقة يتفق عليها الجميع، فإنها تتحول تدريجيًا إلى مصدر ارتباك مباشر في التقييم والاختيار واتخاذ القرار. وبمعنى أكثر بساطة: قد تخسر المؤسسة أحيانًا، ليس لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأن أفرادها لا يفهمون الكلمات بالطريقة نفسها.
ومن منظور اللسانيات التطبيقية، تبدو هذه الفكرة أكثر عمقًا مما نتصور. فاللغة لا تنقل المعنى فقط، بل تصنع الإدراك نفسه. وقد شرح عالم اللغة البريطاني مايكل هاليداي هذه الفكرة مبكرًا حين أكد أن اللغة ليست أداة وصف محايدة، بل نظام اجتماعي يعيد تشكيل العلاقات بين الأفراد، ويوزع الأدوار، ويحدد موقع المتحدث من الجماعة التي يخاطبها.
وفي الرياضة تحديدًا، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية. فالفرق بين أن يقول القائد «أنا أريد» و«نحن نعمل» ليس مجرد فرق نحوي صغير. إنه الفرق بين قيادة تتمحور حول الفرد، وقيادة تبني شعورًا جمعيًا يجعل المؤسسة كلها تتحرك ككيان واحد.
ولهذا ظهرت خلال السنوات الأخيرة دراسات حديثة فيما يعرف بـ«قيادة الهوية الجماعية» “Identity Leadership”، وهي دراسات أثبتت أن القائد الأكثر تأثيرًا ليس بالضرورة الأكثر حضورًا سلطويًا، بل الأكثر قدرة على بناء شعور داخلي يجعل أعضاء المؤسسة يشعرون أنهم جزء من مشروع مشترك، وأن نجاح الفرد لا ينفصل عن نجاح الجماعة. ومن المدهش أن هذه الدراسات بدأت تجد تطبيقات مباشرة في البيئات الرياضية الاحترافية، حيث باتت طريقة الخطاب نفسها جزءًا من تفسير تماسك الفرق الكبرى.
ولعل هذه الفكرة تكتسب بعدًا سعوديًا أعمق اليوم. فنحن نعيش مرحلة وطنية أعادت الاعتبار للغة العربية نفسها بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية والثقافية. يكفي أن نتأمل الحضور المتصاعد لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، والمبادرات الوطنية الكبرى المرتبطة بالهوية الثقافية، لندرك أن الدولة نفسها لم تعد تنظر إلى اللغة باعتبارها مجرد أداة تواصل، بل بوصفها حاملًا للهوية والمعنى والوعي الحضاري.
ومن هنا يبدو من المنطقي أن نعيد التفكير في مفهوم القيادة الرياضية بالمنطق ذاته. الحديث هنا لا يتعلق فقط بإجادة الإنجليزية المطلوبة للتواصل مع الاتحادات الدولية، رغم أهميتها الكبيرة، بل بلغة أعمق بكثير: لغة يفهم بها القائد عقلية اللاعب السعودي، ويقرأ بها حساسية الجمهور، ويتحدث بها مع الإعلام المحلي، ويصنع بها داخل المؤسسة تعريفات واضحة لما تعنيه الموهبة، والانضباط، والتطوير، والاستحقاق، والنجاح.
قبل أيام، كتبت مقالًا في هذا المنبر العظيم، مفاده أن اللغة قد تتحول في بعض اللحظات إلى خط دفاع أول عن الأوطان، حين يتعثر المنتخب وتصبح الكلمات نفسها جزءًا من حماية الرمز الوطني أو الانتقاص منه. واليوم يبدو السؤال امتدادًا طبيعيًا للفكرة ذاتها: إذا كانت اللغة تحمي المشروع الرياضي بعد لحظات التعثر، أليس من المنطقي أن تكون اللغة نفسها جزءًا من صناعة القيادة التي تقود هذا المشروع قبل أن يصل أصلًا إلى لحظة التعثر؟
ربما ينشغل الوسط الرياضي اليوم بسؤال واحد: من سيكون الرئيس القادم للاتحاد السعودي لكرة القدم؟
لكن السؤال الأعمق مختلف تمامًا.
من يملك القدرة على قيادة مؤسسة أصبحت جزءًا من صورة وطن كامل، وهو يدرك أن القيادة الحديثة لم تعد تبدأ من القرار فقط، بل من الكلمة التي تصنع الثقة، والخطاب الذي يبني الهوية، واللغة التي تجعل الجميع - لاعبًا، ومدربًا، وجمهورًا، وإعلامًا - يشعرون أنهم يتحركون داخل مشروع واحد توحد قبلته حب الوطن والانتماء إليه؟
فاللوائح والاشتراطات هي الأساس الذي يحفظ عدالة المنافسة، ويصون مهنية الاختيار، ويمنح القيادة شرعيتها النظامية. غير أن القيادة، بعد أن تستوفي شروطها الرسمية، تحتاج إلى أدوات تُحسن بها تحويل النظام إلى أثر، والخبرة إلى ثقة، والرؤية إلى لغة يفهمها اللاعب والمدرب والجمهور.
وفي زمن الرؤية، لا تكفي الرياضة أن تُدار بكفاءة من داخل المكاتب، بل تحتاج أيضًا إلى خطاب واعٍ يجعل هذه الكفاءة مفهومة، وهذه اللوائح منتجة، وهذه المرحلة قادرة على أن تتكلم باللغة التي تليق بطموح الوطن.