عبدالكريم بن دهام الدهام
أصغر لاعب يشارك في كأس العالم هذا العام لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، فيما يبلغ أكبر اللاعبين ثلاثة وأربعين عاماً. وبين هذين العمرين تمتد أعمار مئات الملايين من عشاق اللعبة الأكثر شعبية في العالم، تلك اللعبة التي بدأت رحلتها العالمية قبل عقود طويلة، وما زالت قادرة على أسر القلوب وإشعال الحماس في مختلف القارات والثقافات والأعمار.
كرة القدم ليست مجرد رياضة للشباب الذين يركضون خلف الكرة فوق المستطيل الأخضر، بل هي أيضاً شغف يرافق الإنسان طوال حياته. فكما يتابعها الأطفال والمراهقون بحماس كبير، يجلس أمام شاشاتها كبار السن في السبعين والثمانين والتسعين من أعمارهم، يستعيدون ذكرياتهم ويعيشون لحظات الفرح والانفعال نفسها التي يعيشها الصغار. وما إن تهتز الشباك بهدف جميل حتى تتلاشى الفوارق العمرية، ويتحول الجميع إلى مشجعين يتشاركون المشاعر ذاتها.
لعل سر جاذبية كرة القدم يكمن في قدرتها الفريدة على الجمع بين الحلم والواقع. فهي لعبة الأعمار القصيرة داخل الملعب، حيث يبلغ اللاعب ذروة عطائه في سنوات محدودة، لكنها في الوقت نفسه لعبة الأعمار الطويلة خارج الملعب، إذ يظل عشقها حاضراً في الوجدان مهما تقدم العمر بأصحابه. ولذلك أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعوب، ومصدراً دائماً للقصص والبطولات واللحظات التي لا تُنسى.
ومنذ انطلاق أول بطولة لكأس العالم عام 1930، تعاقبت أجيال من اللاعبين والمدربين والمشجعين، وتبدلت أساليب اللعب وتطورت التقنيات، لكن جوهر اللعبة بقي ثابتاً؛ منافسة شريفة، وشغف لا ينتهي، وحلم يراود كل لاعب بأن يرفع الكأس الأغلى في عالم الرياضة.
على مدى العقود الماضية، تناوبت منتخبات عديدة على اعتلاء منصة التتويج، مؤكدة أن النجاح في كرة القدم لا يتحقق إلا بالتخطيط والعمل والاستمرارية وصناعة المواهب.
وفي كل نسخة من كأس العالم، تتجدد الحكاية نفسها؛ منتخبات كبيرة تدخل البطولة وهي مرشحة للفوز، وأخرى تحلم بمفاجأة التاريخ، وجماهير تتابع بشغف تفاصيل المنافسة لحظة بلحظة. وبين الانتصارات والانكسارات، تبقى كرة القدم لغة عالمية يفهمها الجميع دون حاجة إلى ترجمة، وتجمع تحت رايتها شعوباً وثقافات مختلفة حول هدف واحد هو الاستمتاع بسحر اللعبة.
وللتحكيم أيضاً رمزيته الخاصة في هذه الرياضة، حيث تحمل البطاقات الصفراء والحمراء معاني الانضباط والالتزام بالقوانين، فيما تبقى صافرة الحكم الإشارة الحاسمة التي توقف الجدل وتعلن بداية اللحظة أو نهايتها. وبين صفارة البداية وصفارة النهاية تُكتب قصص النجاح والإخفاق، وتُصنع الذكريات التي تبقى عالقة في الأذهان لسنوات طويلة.
ورغم التفاوت في الإنجازات بين القارات المختلفة، فإن كرة القدم تظل مساحة مفتوحة للأحلام والطموحات. ففي هذا العالم الكروي الواسع لا مكان للحدود الجغرافية أو الفوارق اللونية أو الثقافية، بل تحضر الموهبة والعمل والإصرار باعتبارها المعايير الحقيقية للتفوق. ولهذا السبب تبقى كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ إنها ظاهرة إنسانية عالمية تجمع الأجيال والشعوب حول شغف واحد، وتؤكد في كل مرة أن العالم، مهما اتسعت مساحاته، يمكن أن يجتمع حول كرة واحدة.