د.عبدالله الفايز
حين يُغيَّب المعماري والمخطط الوطني.. من يصنع مدننا؟ حين نتأمل المشهد العمراني في المملكة العربية السعودية اليوم، يصعب إنكار حجم التحول الذي شهدته البلاد خلال العقود الخمسة الماضية. فمنذ الطفرة الاقتصادية في سبعينيات القرن الماضي، توسعت المدن بوتيرة متسارعة، وارتفعت معدلات البناء بصورة غير مسبوقة، ونُفذت آلاف المشروعات السكنية والتجارية والحكومية، في تجربة تنموية تُعد من الأكبر في المنطقة.
وقد أسهم هذا التوسع في توفير البنية التحتية والخدمات وتحسين جودة المعيشة، لكنه في المقابل كشف عن تحديات عمرانية ومعمارية لا تزال آثارها قائمة في عدد من المدن والأحياء. ومن أبرزها تباين الهوية المعمارية، وضعف جودة المشهد الحضري في بعض المواقع، والاعتماد الكبير على المركبات الخاصة، وغياب التكامل بين عناصر البيئة العمرانية. وهذه التحديات لا ينبغي النظر إليها بوصفها أخطاء منفصلة، بل باعتبارها نتائج لتراكمات تخطيطية ومهنية تستحق المراجعة والتقييم. فالمدينة ليست مجموعة مبانٍ متجاورة، وليست شبكة طرق وخدمات فحسب، وإنما منظومة متكاملة تؤثر في الاقتصاد والصحة والبيئة والثقافة والسلوك الاجتماعي وجودة الحياة. ومن هنا تأتي أهمية العمارة والتخطيط الحضري باعتبارهما علمين يدرسان علاقة الإنسان بالمكان، ويعتمدان على فهم المناخ، والهوية المحلية، والحركة المرورية، والاستدامة، والاقتصاد الحضري، والعلوم الاجتماعية، وعلم النفس البيئي، وصولاً إلى إنتاج بيئة عمرانية متوازنة وقادرة على الاستمرار.
ورغم هذه الأهمية، فإن الممارسة المهنية في بعض المراحل لم تمنح التخصص المعماري المكانة التي يستحقها دائماً. ففي عدد من المشروعات لم يكن التصميم المعماري بيد المهندس المعماري المؤهل، بل أُسندت بعض المهام التصميمية إلى كوادر لا تحمل التأهيل الأكاديمي المتخصص في العمارة أو التخطيط الحضري، أو اختُزل الدور المعماري في إعداد الرسومات التنفيذية، بينما كانت القرارات التصميمية تُتخذ بعيداً عن الرؤية المعمارية الشاملة. وظهر سوء المنافسة غير الشريفة حيث يفد مهندسون مدنيون وانشائيون وكهربائيون ويديرون مكاتب هندسية لا توظف المعماري السعودي بل رسامين ومهنسين أرخص وليس لديهم دراية بالبيئة والمجتمع السعودي.
وفي نفس الوقت يكون صاحب المكتب لا يستطيع الحكم على جودة التصميم ومناسبته. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة بقية التخصصات الهندسية، فالمشروع الناجح هو ثمرة عمل جماعي يجمع المعماري والمهندس المدني والإنشائي والكهربائي والميكانيكي ومهندس النقل ومهندس البيئة وغيرهم. غير أن التكامل الحقيقي يبدأ عندما يمارس كل متخصص دوره الذي أُعد له علمياً ومهنياً، لأن اختلاف التخصصات ليس اختلافاً في المسميات، بل في طبيعة المعرفة والمهارات والمسؤوليات. فالمهندس الإنشائي مسؤول عن سلامة الهيكل الإنشائي للمبنى، والمهندس المدني يختص بالبنية التحتية والطرق والمنشآت، بينما يتولى المهندس المعماري تصميم الفراغات والواجهات والعلاقة بين الإنسان والمكان، ويعمل المخطط الحضري على تنظيم المدينة وتوزيع استعمالات الأراضي وربطها بشبكات الحركة والخدمات.
وعندما يتولى أي تخصص مهام تخصص آخر دون التأهيل اللازم، فإن النتيجة قد تكون مباني سليمة إنشائياً، لكنها أقل كفاءة وظيفياً، وأقل جودة من الناحية البيئية والجمالية. ومن المؤسف أن بعض الجهات كانت تنظر إلى التصميم المعماري باعتباره بنداً يمكن تقليل تكلفته، فكان يُستعاض عن المعماري بكوادر غير متخصصة، أو يُختزل دوره إلى الحد الأدنى. كما اعتمدت بعض المكاتب الهندسية على رسامين أو معماريين أجانب لا يمتلك بعضهم المعرفة الكافية بخصوصية البيئة المحلية والهوية العمرانية السعودية، مع محدودية إتاحة الفرصة للمعماريين والمخططين السعوديين.
وفي بعض الحالات، كانت الجهات المالكة أو الحكومية تركز على أقل تكلفة أو القدرة التنفيذية للمكتب أكثر من اهتمامها بجودة الفريق التصميمي وتخصصه، وهو ما انعكس على جودة كثير من المخرجات العمرانية. ويظهر ذلك في غياب الانسجام بين المباني، وضعف الهوية المحلية، وتصاميم لا تستجيب للمناخ كما ينبغي، وشوارع صُممت لخدمة السيارات أكثر من الإنسان، وفراغات عامة تفتقر إلى الجودة، وأحياء يصعب فيها التنقل سيراً على الأقدام، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الطاقة نتيجة عدم مراعاة أسس التصميم المناخي، وهي نتائج تؤثر في البيئة والاقتصاد وجودة الحياة. إن المدينة الناجحة لا يصنعها المقاول وحده، ولا المهندس الإنشائي وحده، ولا المخطط الحضري وحده، بل تصنعها منظومة متكاملة يقود فيها كل متخصص الجزء الذي يمتلك فيه المعرفة والخبرة. وعندما يغيب هذا المبدأ، تتراجع جودة المنتج النهائي مهما كانت جودة التنفيذ. ومن أبرز القضايا التي تستحق النقاش أن التصميم المعماري، في بعض المشاريع، لم يكن دائماً بيد المهندس المعماري السعودي المؤهل، بل أُسندت مهامه أحياناً إلى غير المختصين، من مهندسيين مدنين يوظفون رسامين ومعمارين اجانب. لم تراث مختلف عنا. أو اختُزلت العملية التصميمية في إعداد مخططات تنفيذية تفتقر إلى الرؤية المعمارية المتكاملة.
وهنا ينبغي قولها بوضوح: من الخطأ المهني، ومن الإجحاف بحق المهندس المعماري، أن يُسند تصميم مشروع معماري إلى مهندس من تخصص آخر، مهما بلغت كفاءته في مجاله، وغالباً ما يكون ذلك إلى مهندس إنشائي أو مدني. يوظف رسامين ومعمارين اجانب.فالاحترام الحقيقي للمهن يبدأ باحترام حدود كل تخصص. وكما لا يُطلب من المعماري تصميم منشأة إنشائية معقدة أو حساب الأحمال، فلا يصح أيضاً أن يُطلب من المهندس الإنشائي أو المدني أن يحل محل المعماري في صناعة العمارة والهوية العمرانية. ولا ينتقص هذا الطرح من قيمة المهندس الإنشائي أو المدني، فلكل منهم دور لا غنى عنه.
فالإنشائي مسؤول عن سلامة المبنى، والمدني مسؤول عن البنية التحتية والمنشآت والطرق، بينما يختص المعماري بتشكيل الفراغ، وملاءمة المبنى للمناخ، وتحقيق الراحة الوظيفية، وصناعة الهوية البصرية، وربط الإنسان بالمكان. وهذه الأدوار ليست متنافسة، بل متكاملة، غير أن التكامل لا يعني إلغاء اختصاص أو استبداله بآخر. كما ينبغي مراجعة الانظمة الحالية مثل نظام ممارسة المهن الهندسية، وكود البناء السعودي، وهيئة كفاءة الإنفاق، وهيئة تطوير العمارة والتصميم، لاعطاء المعماري والمخطط حقه.
ومن الصعب نسبة جميع التشوهات العمرانية إلى سبب واحد، فهناك عوامل عديدة أسهمت في تشكيل مدننا، منها سرعة التوسع العمراني، والأنظمة التي كانت مطبقة في مراحل مختلفة، وأولويات التنمية، والوعي المجتمعي، والظروف الاقتصادية. إلا أنه يمكن القول إن إضعاف دور المعماري وإسناد بعض الأعمال التصميمية إلى غير المختصين كان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في ظهور عدد من مظاهر التشوه العمراني وتراجع جودة البيئة المبنية في كثير من المدن والأحياء. وقد انعكس ذلك في غياب الهوية المعمارية في كثير من الأحياء، وعدم الانسجام بين المباني، وضعف جودة الفراغات العامة، وارتفاع الاعتماد على السيارات بسبب تخطيط لا يراعي المشاة، إضافة إلى انخفاض جودة المشهد الحضري، وتراجع كفاءة استخدام الأراضي، وازدياد ظاهرة الجزر الحرارية الناتجة عن قلة التشجير والمساحات الخضراء، وضعف مراعاة اتجاهات الشمس والرياح في تصميم المباني، وما يترتب على ذلك من ارتفاع استهلاك الطاقة لأغراض التبريد. كما أن التخطيط غير المتكامل يؤدي إلى زيادة الازدحام المروري عندما لا تتوازن استعمالات الأراضي مع الكثافات السكانية، أو لا تتكامل شبكات الطرق والنقل العام، أو يغيب الربط الفعال بين الأحياء والخدمات. وينعكس ذلك في زيادة زمن الرحلات اليومية، وارتفاع استهلاك الوقود والانبعاثات، وتراجع جودة الحياة. كذلك تؤثر جودة التخطيط في الحياة اليومية للسكان، فالمدينة التي تفتقر إلى الحدائق والساحات العامة ومسارات المشاة والدراجات، أو يصعب فيها الوصول إلى المدارس والمرافق الصحية والخدمات الأساسية، تصبح أقل قدرة على تشجيع النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي وتحقيق الاستدامة.
ولعل من المهم التأكيد على أن هذه التحديات ليست حكراً على المملكة، فقد واجهتها مدن كثيرة حول العالم خلال مراحل النمو السريع، واستطاعت مع مرور الوقت معالجتها عبر تطوير الأنظمة، ورفع كفاءة الممارسة المهنية، وتعزيز التكامل بين التخصصات، والاستثمار في التخطيط الحضري المستدام. وفي العديد من الدول المتقدمة توجد هيئات مهنية تضع معايير واضحة لممارسة المهن الهندسية، وتحدد نطاق اختصاص كل مهنة، وتربط ممارسة الأعمال المهنية بالتأهيل والترخيص، بهدف حماية المجتمع وضمان جودة البيئة العمرانية. أما في المملكة، فإن ما تشهده من تحولات كبرى في ظل رؤية السعودية 2030 يمثل فرصة تاريخية لإعادة ترسيخ ثقافة عمرانية تقوم على احترام التخصص، وتعزيز دور المعماري والمخطط الحضري السعودي ضمن فرق عمل متكاملة، وتطوير الأنظمة المهنية، ودعم الكفاءات الوطنية، ورفع الوعي لدى الجهات المالكة والمجتمع بأهمية جودة التصميم بوصفها استثماراً طويل الأجل لا تكلفة إضافية. فالمدن العظيمة لا تُقاس بعدد الأبراج التي تشيدها، ولا بمساحات الخرسانة التي تمتد فيها، وإنما بقدرتها على توفير بيئة إنسانية متوازنة، وهوية معمارية أصيلة، ومساحات عامة نابضة بالحياة، وشوارع آمنة، ومبانٍ تستجيب للمناخ والثقافة والاحتياجات المستقبلية.
إن بناء مدينة ناجحة يبدأ باحترام العلم، واحترام التخصص، والإيمان بأن جودة التصميم ليست ترفاً معمارياً، بل ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وأحد أهم الاستثمارات في مستقبل الإنسان والمكان. واليوم، ومع المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى لإعادة الاعتبار إلى التخصص المعماري، ليس دفاعاً عن مهنة بعينها، وإنما دفاعاً عن جودة المدينة السعودية ومستقبلها. فالعمارة والتخطيط ليست رسماً لواجهة، بل صناعة للحياة، والمعماري ليس رساماً للمخططات، بل شريك أساسي في بناء الإنسان والمكان. إن احترام التخصص ليس امتيازاً لفئة مهنية، بل مصلحة وطنية. فالمدينة التي تُصمم وفق أسس علمية، ويقودها أهل الاختصاص الحليين والادرى بها، هي مدينة أكثر جمالاً واستدامة وكفاءة، وأكثر قدرة على خدمة سكانها لأجيال قادمة.