باسم سلامة القليطي
لو عاد أحد فقهاء القرون الأولى إلى زماننا، ثم سأل: من الذي يُفسد بين الزوج وزوجته اليوم؟ لربما أشار الناس إلى الهاتف قبل أن يشيروا إلى أي إنسان.
لم يعد التخبيب يقتصر على شخص يهمس في أذن زوجة غاضبة، أو صديق يدفع زوجا إلى التسرع، بل أصبح صناعة كاملة، لها أدواتها، ومنصاتها، وآلاف من المروجين لها، بقصد أو بغير قصد. صناعة لا تبحث عن إصلاح البيوت، بل عن زيادة المشاهدات، ولا تقيس نجاحها بعدد الأسر التي بقيت متماسكة، بل بعدد الاعجابات والمشاركات. ولهذا جاء توجيه وزارة الشؤون الإسلامية بتخصيص خطبة الجمعة القادمة للحديث عن التسرع في الطلاق في توقيت بالغ الأهمية؛ فالقضية لم تعد خلافا أسريا عابرا، بل ظاهرة تتشكل كل يوم أمام الشاشات.
ولأن اقتصاد المنصات يقوم على جذب الانتباه، أصبح المحتوى الذي يثير الانفعال أقدر على الانتشار من المحتوى الذي يدعو إلى الإصلاح. فدعوة إلى الإصلاح لا تنافس مقطعا يزرع الغضب، ونصيحة بالصبر لا تنتشر كما ينتشر مقطع يعِد صاحبه بحياة أسعد بمجرد أن يُنهي علاقاته. ومع الوقت، لا يكتفي بعض صُناع المحتوى بعرض المشكلات، بل يصنعون طريقةً للنظر إليها؛ حتى يبدو الطلاق أول الحلول، والقطيعة عنوانا للكرامة، والتنازل صورةً من صور الضعف.
ولم يعد الأمر مقتصرا على الطلاق وحده، بل امتد إلى مختلف العلاقات الإنسانية. فهناك من يدفع الابن إلى التمرد على والديه، أو يشجع البنت على قطيعة أسرتها، أو يصور كل خلاف بين الأصدقاء أو الأقارب على أنه علاقة سامة يجب التخلص منها. وهكذا تتراجع قيمة الإصلاح، ويُستبدل بها منطق الإقصاء، وكأن قوة الإنسان تُقاس بعدد العلاقات التي قطعها، لا بعدد العلاقات التي نجح في إصلاحها. إن المجتمع الذي يهون فيه هدم العلاقات، هو مجتمع يفقد بالتدريج إحدى أهم وسائل تماسكه.
وهنا تكمن الخطورة. فالكلمات لا تغيّر الآراء فقط، بل تغيّر القرارات أيضا. وكم من أسرة دخلها الشك بسبب مقطع، أو تعاظم فيها الخلاف بسبب منشور، أو اتخذ أحد أفرادها قرارا مصيريا تحت تأثير محتوى لا يعرف عنه صاحبه شيئا. إن أكثر ما يدعو إلى القلق أن كثيرا من هذه الرسائل لا تأتي في صورة دعوة صريحة إلى التخبيب، بل تتخفى خلف عبارات جذابة وشعارات براقة، حتى يبدو الهدم وكأنه دفاع عن الحقوق، وتبدو القطيعة وكأنها الطريق الوحيد إلى السلام.
غير أن الحديث عن التخبيب لا يكتمل إلا بسؤال أهم: ما الذي نحاول حمايته أصلا؟ إن الإسلام لا يدعو إلى المحافظة على الأسرة لأنها مجرد رابطة اجتماعية، بل لأنها من أعظم نِعم الله على الإنسان، بها السكن، والمودة، والرحمة، وتقوم عليها تربية الأبناء واستقرار المجتمع.
والزوجة في التصور الإسلامي ليست خصما لزوجها، وإنما أمانة في عنقه، كما أن الزوج ليس منافسا لزوجته، بل شريك رحلة ومسؤول عن حُسن عِشرتها. ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى نظرة متوازنة تحفظ البيوت من قرارات الغضب، فقال: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر». فالبيوت لا تستقر لأن أهلها بلا عيوب، وإنما لأنها لا تجعل العيوب تطمس المحاسن.
ومن هنا كان التسرع في الطلاق خروجا عن هذا المعنى قبل أن يكون قراراً قانونياً أو اجتماعياً. فالخلافات جزء من الحياة، لكن طريقة التعامل معها هي التي تصنع الفارق بين بيت ينهار وبيت يزداد تماسكاً. ولذلك لم يجعل الإسلام الطلاق أول الحلول، بل آخرها، بعد الحوار، والإصلاح، والاستشارة، وتحكيم العقل، والاستعانة بأهل الحكمة. كما دعا الزوجة إلى أن تكون عونا لزوجها لا عبئا عليه، ونهى عن تحميله ما لا يطيق من مطالب وكماليات، لأن الأسرة تقوم على التعاون، لا على المغالبة، وعلى التغاضي، لا على تسجيل الأخطاء. فليس النجاح في الحياة الزوجية أن ينتصر أحد الزوجين على الآخر، وإنما أن تنتصر الأسرة على الخلاف.
ولذلك فإن المسؤولية لا تقف عند صانع المحتوى وحده، بل تصل إلى المتلقي أيضا. فكل متابعة تُشجع، وكل مشاركة توسع دائرة الأثر، وكل تفاعل يمنح هذا النوع من المحتوى فرصة جديدة للوصول إلى بيوت أخرى. وقد يظن بعض الناس أن إعادة نشر مقطع مثير ليست سوى تسلية عابرة، بينما تكون في الحقيقة سببا في وصول فكرة مُضلِلة إلى شخص يعيش لحظة ضعف، فيتخذ قرارا يندم عليه طويلا. ولهذا فإن الامتناع عن دعم المحتوى الهدام ليس موقفا سلبيا، بل مساهمة في حماية المجتمع، تماما كما أن نشر المحتوى النافع صورة من صور الإصلاح بين الناس.
لا تبدأ قوة المجتمعات من مؤسساتها الكبرى، بل من بيوتها. فإذا استقرت البيوت، اطمأنت النفوس، ونشأ الأبناء في بيئة تعرف المودة قبل الخصومة، والحوار قبل القطيعة. والأسرة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمودة والرحمة، والصبر، وحُسن العِشرة، والتغاضي عن الزلاّت، وتقديم العفو على الانتصار للنفس.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل كلمة نكتبها أو ننشرها ليس: كم شخصا سيشاهدها؟ بل: كم أسرةً قد تتأثر بها؟ فالكلمة قد تُصلح بيتا، وقد تهدمه، وصاحبها مسؤول عنها في الحالين. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على كسب الانتباه، يبقى أعظم محتوى هو ما يحفظ البيوت، ويجمع القلوب، ويعين الناس على الخير، لا ما يجعل الأسرة ثمنا للانتشار.