عبدالعزيز صالح الصالح
الإنسان الذي يعيش مع كتاب الله يجد نفسه وسط حديقة غناء يتنقل بين رياضها من فنن إلى فنن ومن غصن إلى غصن، حيث الإعجاز في الأداء والدقة في التصوير فضلاً عن صدق التعبير وسمو المضمون.. الأمر الذي يحدث انسجاماً طبيعياً بين النفس البشرية وبين الروح القرآنية العالية، فلا نرى إلا دوياً عميقاً في الكيان البشري يردد بصوت عال عندما يفتح المرء كتاب الله الكريم لأول وهلة فإنه ما يقرأ من كلام الله هو (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) التي تسمى البسملة اختصاراً. ووجود هذه البسملة تدل دلالة واضحة بأن ما من شيء إلا وباسم الله بدايته ووجوده.
ولهذا فإن المسلمين قاطبة ينطقون بهذه العبارة عند مبادرتهم لأي عمل كان، فباسم الله يبدأ المسلم كل شيء فإن كلمة البسملة مكونة من أربع كلمات فهي على التوالي: بسم الله، الرحمن، الرحيم. بسم – وباسم – بمعنى واحد، وهذه الكلمة تكتب عادة بالألف أي باسم وكتابتها بدون ألف استثناء من جهة، وخاصة بالله تعالى من جهة أخرى، فلا تكتب بدون ألف حين تكون متبوعة بغير اسم الله.
أما كلمة الرحمن - اسم مشتق من فعل (رحم) والرحمة في اللغة هي الرقة والتعطف والشفقة، وتراحم القوم أي رحم بعضهم بعضاً، والرحم القرابة.
فالرحمن - اسم من أسماء الله الحسنى وهو مشتق من الرحمة، وهو اسم مختص بالله تعالى لا يجوز أن يسمى به غيره، فقد قال عز وجل: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ) معادلاً بذلك اسمه الرحمن بلفظ الجلالة الذي لا يشاركه فيه أحد، ورحمن على وزن فعلال وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة والزيادة في الصفة.
والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. ولا أحد من الناس يظن أن صفات الله سبحانه وتعالى تتأرجح بين القوة والضعف، بل هي صفات الكمال المطلق.. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات. اقرأ قول الحق تبارك وتعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) سورة النساء آية (40). فهذه الآية الكريمة نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى ثم تأتي الآية ونلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة (بظلام).. أي شديد الظلم. ويظن البعض أن قول الحق سبحانه وتعالى (لَيْسَ بِظَلَّامٍ ) ولا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم. نقول لهؤلاء:- أنكم لم تفهموا المعنى الصحيح لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً.
فالآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد.
أما الآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد.. والعبيد هم كل خلق الله..
فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة، فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته، لأن عدد من سيصاب به هائل ولذلك فإن الآية الأولى – نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، أما الآية الثانية – نفت عنه الظلم أيضاً.. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة. أما – رحمن ورحيم – رحمن – في الدنيا لكثرة عدد الذين تشملهم رحمته فيها، فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن، والعاصي، والكافر، والمشرك، والملحد.. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير.
إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلق الله بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم ولكن الأمر في الآخرة يختلف، فالله رحيم بالمؤمنين فقط..
أما الكفار وأعوانهم من المشركين فإنهم مطرودون من رحمة الله والنبي محمد بن عبدالله - صلوات الله وسلامه عليه - كما جاء في الحديث الصحيح – هو نبي التوبة، ونبي الرحمة. فقد قال - عليه الصلاة والسلام – «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة».
فقد جاءت الآيات العديدة التي تصف رسالات الله تعالى إلى الناس كافة بأنها رحمة من الله تعالى:
1 - وفي سورة الإنسان (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
2 - وفي سورة يونس آية 57 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ).
3 - وفي سورة لقمان آية 1-3 (ألم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ).
4 - وفي سورة النمل آية 76-77 (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ).
فمن أراد الرحمة من الله تعالى فليكن من أتباع نبي الأمة، فهذا نداء من الله تعالى إلى الناس كافة أن يعلموا أن رسالة الله لهم هي شفاء وهدى ورحمة، وليست أمراً ونهياً فقط.
فقد حث كتاب الله الكريم على التراحم بين المؤمنين في قول الله - تعالى – في سورة البلد آية (17-18) (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) أي أوصى بعضهم بعضاً برحمة الضعيف والتعطف عليه.
وقد أمر الله المؤمن بالإحسان لوالديه وقرنه بالأمر بطاعته وبالدعاء لهما بالرحمة من الله تعالى رحمة لطف ورقة ومحبة ووفاء ورحمة إحسان لهما من الله تعالى على ما قدماه من تربية حسنة لأولادهما.
فالرحمة في أخلاق المؤمنين هي رحمة اجتماعية تشمل الأسرة مصداق لحديث نبي الأمة - عليه الصلاة والسلام - «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم وتعاطفهم كمثال الجسد، إذا اشتكى عضواً تداعى له سائد جسده بالسهر والحمى».