د.زيد محمد الرماني
يقول نورمان شربنبرج في مقدمة كتابه (فرص العولمة): لقد غدت العولمة شعاراً تحفُّ به النزاعات في مجتمعاتنا. ويوضح التعبير بجلاء أننا نشعر بأنفسنا رهينة لنظام عالمي فعَّال له قوانينه الخاصة به، ويحرمنا من إمكانات وضع سياستنا الوطنية. بيد أن مثل هذا الشعار مُغر للغاية أيضاً. فالغواية فيه هائلة في أن تُفسر الأوضاع السيئة أو التطورات الفاشلة، أو التي هي في الحقيقة نتاج الإخفاق السياسي الخاص كنتيجة لتضاعيف العولمة.
ثم يقول نورمان: ولكي يتمكن المرء من تكوين حكم خاص به إذا كان إلصاق الذنب هذا له ما يبرره، فإنه من الرشاد بمكان تمحيص ما يخفيه هذا الشعار بشكل ملموس. ومن غير الممكن إعطاء إجابة قصيرة عن هذا السؤال، لأنه لا يوجد أيّ من التطورات التي نلحقها كلياً في استخدامنا اللغوي بالعولمة بشكل عام، هي حقاً جديدةٌ وثورية بحيث يمكن أن يقول المرء عنها أنها غيرت العالم في العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة جذرياً.
ويؤكد نورمان: وهكذا فإن هشاشة الاقتصاد العالمي حيال الأزمات المالية ليست بأي حالٍ من الأحوال من جراء التطور في العقود الأخيرة. وإذا ما بَدَتْ بعض الدول في العالم مستقرة تجاه موظفي رؤوس الأموال بحيث يتعهد المستثمرون الأجانب بالاستثمار الصناعي فيها مجدداً، ليس فقط عن طريق استثمارات طويلة الأجل، وإنما من خلال قروض قصيرة الأمد في إطار حركة النقد ورؤوس الأموال العالمية، فإن هذا في الواقع قضية تبعث على السرور وليست سبباً في توجيه اللوم. ويظهر هذا ثقة المستثمرين في استقرار البلد المَدين وبقدرته على تسديد ديونه.
إن من الصعوبة بمكان تصور حجم الكتلة النقدية الضخمة والأموال القابلة للتداول، أو بشكل أكثر دقة، الاستحقاقات قصيرة الأمد، التي يجري التداول فيها اليوم على الصعيد العالمي. وينشأ عن الحاجة إلى العملات الصعبة وقروض الأموال القابلة للتداول التي تسببها التجارة العالمية والاستثمارات طويلة الأمد من قبل المستثمرين في العالم بروز صرح من صفقات موازنة سعر الصرف والمضاربات المتعددة والذي فقد منذ زمن كل ارتباط بمجريات الاقتصاد الحقيقي المسببة.
يقول نورمان: ثمة موضوع آخر ليس بجديد البتة، ويتعلق بالفكرة القائلة إن التجارة العالمية تؤدي إلى فقدان أماكن العمل. فمن قبل اكتشف عالم الاقتصاد البريطاني دي?يد ريكاردو (1823 - 1772) الأسس النظرية بأن الدول المتطورة لا تورد تلك السلع، التي لا تستطيع إنتاجها بنفسها، وإنما تلك المنتجات التي تُظهر في تصنيعها كفاءةً عالية. وأطلق على ذلك اسم (قانون منافع الكلفة المقارن). ولقد تنامت التجارة العالمية من جراء هذا القانون باطراد - وبشكل خاص التجارة فيما بين الدول المتطورة. ثم يقول: إن الكثير من الناس لا يفكرون في شعار العولمة فقط بالتطورات الاقتصادية. ألا تعني العولمة أيضاً الجمع العالمي بين الفن والثقافة وعلى مستوىّ لا يستحق فيه أن يطلق عليه اسم الثقافة؟ ألا تعني العولمة في الحقيقة انحسار فرص التنوع الثقافي الوطني وهيمنة ثقافة التلفزيون على كل العالم؟ ولا يجدر بنا في هذا المقام وضع تشخيص بكل بساطة. ففي الماضي كان التنوع الوطني في الغالب غير نموذجي للتطور الثقافي.
ويؤكد نورمان مرة أخرى أنه: لو أمعن المرء النظر في كل هذه التطورات مع بعضها لأدرك أن التغييرات في تبادل الأمم بـ: السلع والخدمات والنقد ورؤوس الأموال والإنجازات الثقافية والناس والسفر. أصبحت هائلة للغاية بحيث أدى التعجيل في السيرورات والزيادة في الحجم إلى نوعية جديدة في الواقع. ولقد أطلق على هذه الظواهر في التسريع وفي تغير الحجم اسم (العولمة). وبطبيعة الحال لا توجد أمة تضطر لأن تنخرط في هذا التبادل. فثمة دول تبتعد وبإصرار عن مجالات معينة من العولمة أو أنها تعزل نفسها تماماً عنها.
والخلاصة من منظور نورمان: أن العولمة تعني بالمقام الأول بالنسبة لشعوب العالم التحدي والقيام بالشيء الضروري واللازم لكي تثبت أنفسها كأمم. ولا يتحقق ذلك بواسطة التقوقع أو الاختباء وراء الأسوار، بل من خلال إثبات الذات في تنافس الثقافات والذي يلعب فيه الاقتصاد دوراً حتى ولو أنه دور يأتي في أهميته في الدرجة الثانية.
إنها مسألة أن تفهم الأمم ذواتها وأن يكون بمقدورها وفي صلب إرادتها إثبات أنفسها. كما أنها أيضاً قضية الالتزام تجاه الأمم الأخرى وتجاه السلام في العالم. ويتضح دائماً أن الأمم التي لا تمتلك وعياً ذاتياً متماسكاً ويهرب من بين أيديها شعور القيمة الذاتية هي التي تصبح بؤر توتر وأزمات في العالم. إن القوة الداخلية والوعي الذاتي لكل الأمم يبرزان كشرط للسلام في العالم في عصر العولمة أكثر من أي وقت مضى. وهذا ينطبق على كثير من الأمم المتقدمة.