د. عبدالحق عزوزي
إن من أبرز التحديات التي اعترضت المسيرة الحضارية للإنسانية، ولا تزال، الاختلال العميق في توزيع الثروة والقوة والنفوذ على الصعيد العالمي. فما يقارب 20% فقط من سكان العالم يتمتعون بمستويات العيش التي توفرها الدول المتقدمة، في حين تتسع الهوة باستمرار بين الأغنياء والفقراء. ولا تزال مليارات من البشر تعاني أوضاعاً إنسانية قاسية؛ إذ يعيش نحو ملياري إنسان بأقل من دولار واحد في اليوم، في حالة من الفقر المدقع، بينما يُحرم ما يقارب ملياراً ونصف المليار من الحصول على المياه الصالحة للشرب. وقد أسهمت مظاهر العولمة، في كثير من الأحيان، في تعميق هذه الفجوات بدل تقليصها، الأمر الذي ولّد شعوراً متزايداً بالغبن والإقصاء، وأسهم في تغذية مشاعر الاحتقان واليأس، وهي البيئة التي تجد فيها مظاهر العنف والتطرف أرضية خصبة للنمو والانتشار.
وفي هذا السياق، جاءت أطروحة الكاتب الأمريكي صامويل هانتغتون حول «صدام الحضارات»، التي طرحها قبل أكثر من عقدين، لتذهب إلى أن الصراع بين الحضارات، ولا سيما بين الغرب والعالم الإسلامي، يمثِّل مساراً حتمياً للعلاقات الدولية. غير أن هذه الأطروحة، رغم ما أحدثته من نقاش واسع داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، تعرضت لانتقادات علمية وفكرية واسعة من قبل عدد كبير من قادة العالم والمفكرين والباحثين، الذين رأوا فيها قراءة اختزالية للتاريخ وللعلاقات بين الشعوب، لأنها تُرجع أسباب الصراعات إلى الاختلافات الحضارية والدينية، بينما تتجاهل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية التي تشكِّل في الواقع المحرك الأساسي لمعظم النزاعات الدولية.
ومن ثم، فإن مستقبل الإنسانية لا ينبغي أن يُبنى على منطق الصدام، وإنما على ترسيخ ثقافة الحوار والتعاون والعدالة واحترام التنوع الحضاري باعتبارها السبيل الأمثل لبناء عالم أكثر أمناً واستقراراً.
ويفتح تحالف الحضارات المجال واسعا أمام تفاهم الشعوب والجماعات، ويؤدي إلى تقارب الحضارات وتلاقحها، وينطلق من نقاط الالتقاء بدلاً من أوجه الاختلاف، في إطار الالتزام بالموضوعية والحياد عند تناول الآخر من النواحي كافة، والابتعاد المطلق عن تغيير الحقائق على نحو يشوه صورة الآخرين أو يسيء إليهم.
وهو اختيار العقلاء وسبيل يسلكه الحكماء ومسؤولية إنسانية مشتركة يتحمّلها بصورة خاصة، صانعو القرار والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية في العالم أجمع، من أجل المشاركة الجماعية في بناء السلام في الحاضر والمستقبل.
إن الصدامات والصراعات تسبب المآسي على مستوى الأفراد والشعوب، وتزرع الكراهية والنفور بين البشر، والبديل الأمثل للوقاية منها هو الحوار والتفاهم والتعايش السلمي واحترام حقوق الآخرين ومراعاة خصوصياتهم، مع الاستفادة من التنوع الذي يمثِّله تعدد الديانات والثقافات والحضارات لبناء مجتمع إنساني متفاعل ومتكامل.
والإسلام دين سلام يعترف بجميع الديانات السماوية ويحترمها ويعترف بالأنبياء والرسل كافة.
والحضارة الإسلامية جزء من الحضارة الإنسانية، تقوم على الوسطية والاعتدال والتعايش السلمي، والإيمان بالقيم المشتركة الثابتة، والتعاون والتفاهم المتبادل بين الحضارات، والتحاور البناء مع الديانات والثقافات.
ويؤسس النص القرآني صيغة التعارف والتعايش في الاجتماع البشري، مبنية على الأمن والتسامح والسلم الأهلي في آيات متعددة، منها قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
فإذا تساءلنا عن الأصول المنهجية لفقه التعارف المستوحاة من القرآن الكريم، ومرتكزات ثقافة التعايش مع الآخر الداخلي، فإننا نجد أن هذه الآية الكريمة التي هي الأساس في فقه التعارف تؤكد على عدة مسائل هامة، أولاها: تأكيد واقعية الخصوصيات الإنسانية القومية والعرقية والجغرافية، لأنها تمثِّل واقع الوجود الإنساني الذي لا يمكن إلغاؤه.
أما ثانيها فهو أن الإسلام يشجع على تحريك الخصوصيات في دائرتها الداخلية بجانبها الإيجابي الذي يدفع الإنسان إلى التفاعل عاطفياً وعلمياً مع من يشاركونه تلك الخصوصيات والقضايا المتعلقة بها، شرط ألا تتحول تلك المشاركة إلى عقيدة عصبية تأخذ مبدأ عدوانيا تجاه الآخرين.
في حين تتعلَّق المسألة الثالثة التي تؤكدها الآية الكريمة بأن تنوع الخصوصيات الإنسانية قد يتمثل في تنوع الخبرات العلمية، مما يجعل من كل شعب حاجة للشعب الآخر للحصول على الخبرة التي يفتقدها في ذاتية ظروفه وأوضاعه، وليقدم له ما يملكه هو من خبرة مختلفة في حاجته إليها، وفي ضوء ذلك يتم التعارف من موقع الحاجات المتبادلة، وينتج التقارب والتلاقي اللذين يكشفان فيه وجود أمور مشتركة يلتقيان فيها.