د.محمد بن عبدالرحمن البشر
عاشت أوروبا تحت وطأة حر شديد لمدة 11 يوماً، مات خلالها ألف وثلاثمائة شخصاً، وفي فرنسا وحدها مات مائة وتسعة فرد خلال 24 ساعة، كما تعرضت إسبانيا إلى موجة مقاربة لتلك التي ضربت فرنسا، ومات في فترة وجيزة 350 فرداً، كما أعلنت الحكومة الإسبانية ان ألف فرد قد ماتوا بأسباب لها صلة بموجة الحر، وذكرت ان النصف الأول من هذا العام هو الأشد حراً على الإطلاق، وفي المجر انقطعت المياه عن احدى القرى بسبب الحر، وفي إيطاليا تدافع السائحون تحت أجهزة التبخير للتخفيف من حرارة الصيف، وهذا بلا شك أمر غير مسبوق، ولم يكن تصميم المباني في أوروبا مهيأ للتعامل مع مثل هذه الحرارة التي بلغت في بعض مناطق أوروبا أربعة وأربعين درجة مئوية، وأخذ الناس بالإندفاع وإلقاء أنفسهم في بعض الأنهر التي سمحت السلطة في بعض الدول بذلك في مناطق محدودة، وغرق بسبب هذا أكثر من تسعين شخصاً في فرنسا فقط، هذا الأمر غير المسبوق، يقول بعض المحللين أنه لم يكن ليحدث لولا أن هناك تغيراً مناخياً عالمياً نتيجة الاستعمال غير الجيد من قبل الإنسان لما حباه الله من مواد اولية وعقل استطاع بفضله أن يتعامل مع هذه المواد للاستفادة منها في مناحي حياته، فسهل ذلك سبل العيش المختلفة، وكان سعيداً بما وصل إليه منذ فترة طويلة، وأصبح يتوسع في ذلك المسار سنة بعد أخرى حتى تبين له بعد سنين، وبعد أبحاث عديدة أن ذلك الاستخدام الجائر لهذه المنح الربانية قد أثرت دون ان يدري على كرته الأرضية التي يعيش عليها.
تنبه الإنسان فيما بعد، وأدرك أن أمراً ما يحدث على سطح الكرة الأرضية، فأخذ يبحث حتى توصل إلى أن هناك انبعاثاً للغازات التي تؤثر على الغلاف الجوي الذي يحمي الكرة الأرضية من الإشاعات العلوية، والحديث عن ذلك التأثير، وكيف، ومقدار تأثيره، معلوم، وتناوله العلماء والكتاب في جميع المحافل، وكان إنسان القرنين الماضيين حتى اليوم سعيد بانجازاته العظيمة، وهي بحق عظيمة، فأصبح يتنقل بالطائرة في جوف السماء ليصل في بضع ساعات من شرق الكرة الأرضية إلى غربها في مركب وثير، أما في البحر فينتقل بالباخرة كما تنقل بضائعه في بضعة أسابيع وبكفاءة أعلى مما كان عليه في ازمنة مضت، وسهل كل شئ في حياته من اتصال، وترفيه وتجهيز طعام، وغيره، واستطاع بمهارته مضاعفة إنتاجه الغذائي، وتوفير الماء النقي. ولهذا فهو لا يريد ان يعكر صفو سعادته بالنظر بجدية إلى التأثير السلبي لاستعماله الجائر لموارده، لكن ما كان يخشاه وقع، وارتفعت درجة حرارة الارض بأسرع مما يتصور، وارتفع عدد الأموات بسبب الحرارة، أو لاسباب ذات علاقة بها.
لقد أدرك الإنسان ان تغير نمط حياته له ثمن، فزيادة استهلاكه للحوم يعني احتياجه إلى مزيد من الأبقار والدجاج والماعز، والمخلفات الناجمة منها تزيد من انبعاث غاز الأمونيا الذي له دور هام في التأثير على الغلاف الجوي، وزيادة المصانع، ووسائل النقل المختلفة لها نصيبها من ذلك التأثير، غير انها اليوم استطاعت الحد من التأثير السلبي لها بفضل رفع كفاءتها.
يبقى الحل بيد السياسيين الذين يمكنهم اتخاذ القرارات العالمية التوافقية للوصول إلى معايير معينه، وخصوصًا تلك الدول ذات الانبعاثات الأكثر مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين والهند وأوروبا، كما أن لها القدرة السياسية لاتخاذ القرارات العالمية لو رغبت، لكن صراعات الأحزاب، والنظر إلى الاقتصاد، وارتفاع تكلفة المنتج والقدرة التنافسية، تجعل الحسابات الداخلية مقدمة على المصالح العالمية، حتى وان كان التأثير السلبي يضر بالجميع بما فيها تلك الدول النافذة، والغريب ان العالم قد اتجه إلى الإجتهاد في وضع قواعد معينة، لكنه تراجع فيما بعد بسبب العراك السياسي الداخلي والخارجي.
يبدو أن الإنسان مستمر على نهجه وتجاهله، وتحميله عنصراً بعينه لأسباب سياسية، حتى يصل التأثير السلبي لإنبعاث الغازات إلى درجة حرجة تجبره على اتخاذ القرار الذي كان يراوغ عن يمنة ويسرة، ويغض الطرف عنه، لكن ذلك المسار الطويل سيكون له تكلفة بشرية واقتصادية وربما سياسية كبيرة.