«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ثمة فنون تُطرب الأسماع، وأخرى تُمتع الأبصار، غير أن السامري يمتلك سحرًا استثنائيًا يجمع بينهما في تجربة واحدة؛ فما إن يتردد الإيقاع الأول، وتنتظم الصفوف في مشهد يفيض بالانسجام، ويصدح صوت المنشد بأول بيت من القصيدة، حتى يدبّ النبض في التراث، وتتحول الكلمات إلى حركة، والإيقاع إلى لغة، والجسد إلى ذاكرة حية تحفظ سيرة الإنسان والمكان. لذلك، لم يكن السامري مجرد رقصة شعبية أو لون غنائي ارتبط بالمناسبات الاجتماعية، بل غدا أحد أكثر الفنون الأدائية السعودية اكتمالًا؛ إذ تتآلف فيه القصيدة النبطية، والموسيقى، والإيقاع، والأداء الحركي، والزي التراثي، والتناغم الجماعي، في بناء فني متماسك يمنح المتلقي تجربة يعيش فيها التراث بوجدانه قبل أن يراه بعينيه أو يسمعه بأذنيه.
ولعل هذه الخصوصية هي التي مكّنت السامري من عبور مئات السنين محافظًا على أصالته، حتى أصبح اليوم أحد أبرز عناصر التراث الثقافي غير المادي في المملكة، وواجهة حضارية تعكس الهوية السعودية، وتنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت الثقافة أحد أهم روافد القوة الناعمة.
يأتي هذا الحضور المتجدد بالتزامن مع إطلاق معهد «لِعْب» للفنون الأدائية برنامجًا تدريبيًا لتعليم السامري النسائي (المستوى المبتدئ)، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام المؤسسي بالفنون الأدائية السعودية، والانتقال بها من مرحلة التوثيق والحفظ إلى فضاء التعليم والممارسة والتدريب، بما يضمن استدامة هذا الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة وفق منهجية علمية.
يقام البرنامج ضمن مسار تدريبي متدرج يتألف من ثلاثة مستويات، يهدف إلى تأسيس المشاركات على أسس الأداء الصحيح، من خلال التعريف بأنواع أزياء السامري، وأركانه الخمسة، وأساسيات الوقفة والإيقاع والحركة، وذلك يوم الأربعاء 8 يوليو، من الساعة الثامنة حتى التاسعة مساءً، مستهدفًا الفتيات والنساء من عمر 12 عامًا فأكثر.
يمثل برنامج معهد «لِعْب» للفنون الأدائية لتعليم السامري النسائي نموذجًا عمليًا للتحول الذي تشهده الفنون الأدائية السعودية؛ إذ لم تعد المحافظة على التراث تقتصر على التوثيق أو تقديم العروض في المناسبات، بل أصبحت تقوم على التدريب المنهجي، والتأهيل، وإعداد جيل جديد من الممارسات القادرات على حمل هذا الإرث إلى المستقبل.
يتقاطع هذا الحراك الثقافي مع ما خلصت إليه الدراسة العلمية المتخصصة «فن السامري في المملكة العربية السعودية»، التي أعدها الباحثان الدكتورة لمى البدنة والأستاذ جمعة الجميعة، إذ تقدم قراءة معرفية عميقة لهذا الفن، وتؤكد أنه ليس مجرد غناء أو رقص، بل منظومة ثقافية واجتماعية متكاملة، تختزن ذاكرة المجتمع، وتعكس تحولات البيئة النجدية عبر قرون طويلة.
منظومة ثقافية تحفظ ذاكرة المجتمع
تكشف الدراسة أن السامري يتجاوز مفهوم الأداء الفني، ليغدو منظومة ثقافية متكاملة، تتداخل فيها الكلمة، واللحن، والإيقاع، والحركة، والزي، والطقوس الاجتماعية، فتؤلف معًا خطابًا ثقافيًا يعكس شخصية المجتمع السعودي، ويحفظ ذاكرته الجمعية.
فالقصيدة تحفظ الموروث الشفهي، والإيقاع يوحد الجماعة، والحركة تجسد روح الانسجام، فيما تضفي الأزياء التراثية بُعدًا بصريًا يمنح العرض وقاره وجماله، لتتحول عناصر الأداء كافة إلى لغة ثقافية تروي قصة مجتمع بأكمله، لا مجرد مشهد فني عابر. من هنا، لا يُنظر إلى السامري بوصفه وسيلة للترفيه فحسب، بل بوصفه سجلًا اجتماعيًا يوثق العلاقات الإنسانية، ويعكس منظومة القيم، ويصور البيئة النجدية وتحولات الحياة فيها عبر الأزمنة.
حين كان الشعر يُنشد قبل أن يُقرأ
ترى الدراسة أن الشعر النبطي يمثل الجذر الأصيل الذي انطلق منه السامري، وأن العلاقة بينهما لم تكن علاقة اقتران عابر، بل علاقة تكامل تاريخي، منح فيها الشعر السامري عمقه اللغوي والوجداني، بينما منح السامري القصيدة حياة جديدة على مسرح الأداء الشعبي.
ففي الجزيرة العربية، لم تكن القصيدة تُكتب لتُقرأ أولًا، بل لتُنشد وتُحفظ بالسماع، ولهذا حملت موضوعات الحب، والحنين، والفراق، والحكمة، والمديح، لتصبح سجلًا وجدانيًا يوثق حياة الناس، ويحفظ أحلامهم ومشاعرهم وذاكرتهم الثقافية، وهو ما رسخ مكانة السامري في الوجدان الشعبي جيلًا بعد جيل.
لماذا سُمّي السامري؟
يكاد الباحثون يجمعون على أن تسمية «السامري» مشتقة من «السَّمر»، إذ كانت ليالي السمر في نجد تمثل فضاءً اجتماعيًا يجتمع فيه الناس بعد انتهاء أعمالهم، يتبادلون الشعر والغناء والحديث في أجواء يسودها الأنس والألفة.
ومن تلك المجالس وُلد السامري، لا بوصفه وسيلة للتسلية فحسب، بل ممارسة اجتماعية وثقافية عززت الروابط الإنسانية، ورسخت قيم التواصل والتكافل، ومنحت المجتمع مساحة للتعبير عن مشاعره الجماعية، قبل أن يغدو أحد أبرز رموز التراث السعودي.
تاريخٌ صنعته الأجيال
لا تربط الدراسة نشأة السامري بشخص واحد، بل تؤكد أن جذوره أعمق من أن تُنسب إلى مؤسس بعينه، إذ تشكل عبر تراكمات اجتماعية وثقافية امتدت قرونًا، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية في المجتمع النجدي.
تناقش الدراسة الآراء التي نسبت تأسيسه إلى الشاعر محسن الهزاني، مؤكدة أن الشواهد التاريخية لا تكفي لإثبات هذه الرواية على نحو قاطع، وإن كان من أبرز المجددين في الشعر الذي تغنى به السامري.
أما الشاعر محمد بن لعبون، فتعده الدراسة أحد أكثر الشعراء تأثيرًا في انتشار هذا الفن، بعدما أصبحت قصائده جزءًا من ذاكرة السامري، وتناقلتها الأجيال في مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، حتى غدت من أكثر النصوص حضورًا في عروضه.
من نجد إلى الخليج.. رحلة فن حملته الهجرة
لم يبقَ السامري حبيس نجد، بل ارتحل مع الإنسان النجدي في تنقلاته إلى الأحساء، والزبير، والكويت، والبحرين، وشرق الجزيرة العربية، ليصبح شاهدًا حيًا على انتقال الثقافة مع أصحابها، تمامًا كما تنتقل اللغة والعادات والتقاليد.
توضح الدراسة أن القصيدة النبطية، واللهجة المحلية، والعادات الاجتماعية، عبرت مع تلك الهجرات، وانتقل معها السامري، الذي حافظ على جوهره الفني وهويته الأصيلة، فيما اكتسب في كل منطقة بعض السمات المحلية المرتبطة بطبيعة المجتمع وإيقاع الحياة، دون أن يفقد ملامحه السعودية التي تشكلت في بيئته الأولى. وتؤكد الدراسة أن هذا الانتشار لم يكن نتيجة تخطيط مؤسسي، بل جاء بصورة طبيعية مع حركة الناس واستقرارهم في مناطق مختلفة، وهو ما منح السامري قدرة لافتة على التكيف مع البيئات الجديدة، مع احتفاظه بأصالته وروحه التراثية.
لكل منطقة.. بصمتها الخاصة
لم يكن السامري قالبًا فنيًا جامدًا، بل تطور داخل البيئات التي احتضنته، حتى أصبحت لكل منطقة بصمتها الخاصة في الأداء، والإيقاع، واختيار القصائد.
فسامري القصيم يختلف في بعض تفاصيله عن سامري حائل، كما تمتلك كل من وادي الدواسر والمنطقة الشرقية خصوصيتها في الإيقاع، والحركة، وطريقة الأداء، وهو تنوع يجسد ثراء الثقافة المحلية داخل المملكة، ويؤكد قدرة هذا الفن على استيعاب الفروق البيئية والاجتماعية، مع الحفاظ على بنيته الفنية وهويته الأصيلة.
وهكذا بقي الجذر واحدًا، وإن اختلفت الأساليب والتفاصيل، ليبرهن السامري على مرونته الثقافية، وقدرته على التطور دون التفريط بأصالته.
هندسة فنية تتجاوز حدود الأداء
على الرغم من أن السامري يبدو للوهلة الأولى أداءً بسيطًا قائمًا على الحركة والإيقاع، فإن الدراسة تكشف أنه يقوم على بناء فني دقيق تحكمه قواعد واضحة، ويتطلب تناغمًا دقيقًا بين جميع عناصره.
فلكل فرد داخل العرض دوره المحدد؛ فهناك قائد الصف الذي ينظم حركة المؤدين، والمنشد الذي يقود القصيدة، والإيقاعيون الذين يحافظون على النسق الموسيقي، والمؤدون الذين يجسدون الحركة الجماعية بانضباط لافت، لتتكامل جميع الأدوار في لوحة واحدة تبدو فيها المجموعة وكأنها جسد واحد. ولا يقتصر هذا التناغم على الجمال البصري، بل يجسد قيم التعاون، والانضباط، والعمل الجماعي، التي قامت عليها المجتمعات التقليدية، ويحوّل العرض إلى لغة ثقافية غير منطوقة، تنقل معاني الانسجام والهوية المشتركة.
السامري النسائي.. إرث حملته النساء
تؤكد الدراسة أن المرأة السعودية كانت شريكًا أصيلًا في حفظ السامري وصونه ونقله عبر الأجيال، إذ حافظت على حضوره في المناسبات الاجتماعية، وأسهمت في استمراره بوصفه أحد مكونات الهوية الثقافية. يتميز السامري النسائي بأسلوب أداء خاص، تُقدَّم فيه المؤديات في صفين متقابلين، أو في تشكيل نصف دائري، تتوسطهن قائدة الفرقة، بينما تضبط الدفوف الإيقاع، وتتردد القصائد النبطية في مشهد يجمع بين الوقار، والدقة، والجمال.
خلال الأداء، تتقدم مؤديتان إلى منتصف الحلقة لتقديم حركات رشيقة تعتمد على تمايل الأكتاف، والالتفاف بثوب النشل أو العباءة التراثية، في أداء تتداخل فيه الرقة مع الانسيابية، مع المحافظة على الاتزان والخصوصية التي تميز هذا اللون الفني. ولا يقتصر إتقان السامري النسائي على حفظ القصائد أو أداء الحركات، بل يشمل معرفة أنواع الأزياء التراثية، وكيفية توظيفها أثناء العرض، وفهم الإيقاع، وإتقان الوقفة الصحيحة، والإلمام بأركان السامري الخمسة، وهي مهارات أصبحت اليوم تُدرَّس ضمن برامج تدريبية متخصصة، في تحول نوعي يعكس الجهود المبذولة لصون هذا الموروث، ونقله إلى الأجيال الجديدة.
بين الأصالة والتجديد
تبين الدراسة أن سر استمرار السامري يكمن في قدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فقد حافظ على جوهره التاريخي، وفي الوقت نفسه تطورت ألحانه، وتنوعت أساليب أدائه، واتسعت مشاركاته في المهرجانات والفعاليات الثقافية داخل المملكة وخارجها، دون أن يفقد شخصيته المميزة.
كما أسهم عدد من الباحثين والمهتمين في تطوير هذا الفن وصونه، ومن أبرزهم عبدالعزيز السليم في الجانب الشعري، ومحمد الحقباني في تطوير البناء الإيقاعي والتنظيم الموسيقي، بما حافظ على أصالة السامري، وقرّبه في الوقت ذاته من ذائقة الأجيال الجديدة.
تؤكد الدراسة أن المحافظة على التراث لا تعني تجميده عند لحظة تاريخية معينة، وإنما تمكينه من مواصلة حضوره والتفاعل مع المتغيرات، مع الحفاظ على عناصره الأصيلة التي تمنحه فرادته واستمراريته.
من التراث إلى القوة الناعمة
يشهد السامري اليوم مرحلة جديدة من الحضور، مدعومًا بالاهتمام الذي توليه المؤسسات الثقافية السعودية للتوثيق، والتعليم، والتدريب، والعروض الفنية، في إطار مشروع وطني يعزز مكانة الثقافة بوصفها أحد محركات التنمية.
لم يعد السامري يُنظر إليه بوصفه لونًا فلكلوريًا فحسب، بل أصبح أحد مكونات الاقتصاد الثقافي، وأداةً للتعريف بالهوية السعودية، ورافدًا من روافد القوة الناعمة التي تعكس ثراء المملكة الحضاري، في انسجام مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت الثقافة عنصرًا رئيسًا في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية.
معهد «لِعْب».. حين يتحول التراث إلى ممارسة معرفية
يعتمد البرنامج على مسار تدريبي متدرج يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، ويمنح المشاركات فهمًا متكاملًا لعناصر السامري، بدءًا من الإيقاع والحركة، مرورًا بالأزياء التراثية وأركان الأداء، وصولًا إلى أبعاده الثقافية والاجتماعية، بما يسهم في إعداد ممارسات يمتلكن المعرفة والمهارة معًا. في حديثها لـ«الجزيرة»، تؤكد مرام الغامدي، مؤسسة ومديرة معهد «لِعْب» للفنون الأدائية، والباحثة والمخرجة الفنية المتخصصة في الفنون الأدائية السعودية، أن رسالة المعهد تتجاوز تعليم الأداء الحركي، لتسهم في بناء وعي ثقافي يعزز ارتباط المتدربين بتراثهم الوطني. وتوضح أن ورشة السامري ركزت على تعليم أساسيات الأداء، والإيقاع، والحركة، إلى جانب التعريف بقيمة السامري بوصفه أحد الفنون الأدائية المرتبطة بالهوية الثقافية السعودية، ليصبح تعلمه تجربة معرفية وثقافية متكاملة، لا مجرد اكتساب لمهارة فنية.
مرام الغامدي: السامري يصنع الهوية قبل أن يصنع المهارة
ترى الغامدي أن الأثر الحقيقي للبرامج التدريبية يتجاوز إتقان الأداء، ليترك انعكاسًا واضحًا على شخصية المتدرب وثقته بنفسه. وتقول: «من خلال إشرافنا على البرامج التدريبية، نلاحظ أن المتدربين يكتسبون ثقة أكبر في الوقوف والأداء أمام الآخرين، كما يتكون لديهم فهم أعمق للسامري بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية السعودية، وليس مجرد رقصة شعبية. ومع التعرف على تاريخه، وقيمه، ورموزه، يتعزز شعورهم بالانتماء والاعتزاز بالموروث الوطني، وهو ما نسعى إلى ترسيخه في معهد «لِعْب» عبر تقديم الفنون الأدائية بمنهجية علمية تحافظ على أصالتها، وتواكب متطلبات العصر».
وتؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ابتعاد الشباب عن التراث، بل في الكيفية التي يُقدَّم بها إليهم، موضحةً أن الأجيال الجديدة اعتادت على المحتوى السريع والتفاعلي، الأمر الذي يجعل من الضروري تقديم الفنون الأدائية بأساليب تدريبية حديثة تحافظ على أصالتها، وتستثمر في الوقت ذاته أدوات العصر.
وتضيف: «ننظر إلى هذا التحدي بوصفه فرصة حقيقية لإعادة تقديم السامري من خلال مناهج علمية، وورش تفاعلية، ومحتوى رقمي جاذب، يسهم في جذب الشباب والشابات والأطفال، ويعزز ارتباطهم بهويتهم الثقافية، مع الحفاظ على أصالة هذا الفن وقيمه».
وتوجه الغامدي رسالة إلى الشباب الذين يرون أن الفنون التراثية بعيدة عن اهتماماتهم، قائلة: «لا تحكموا على الفنون التراثية قبل أن تعيشوا تجربتها. فالسامري ليس مجرد موروث نحتفظ به في الذاكرة، ولا رقصة شعبية تُؤدى في المناسبات، بل فن أدائي حي يجمع بين الإيقاع، والحركة، والتواصل الإنساني، ويحمل في تفاصيله تاريخًا، وهويةً، وثقافةً».
وتضيف أن تقديم السامري بأسلوب معاصر ومنهجي يجعل الأجيال الجديدة تكتشف فيه تجربة ممتعة وملهمة، تتجاوز حدود الترفيه إلى بناء الوعي بالهوية والانتماء، مؤكدةً أن الهدف ليس استحضار الماضي، وإنما إعداد جيل يعرف قيمة موروثه، ويعتز به، ويملك القدرة على حمله إلى المستقبل، وتقديمه للعالم بروح معاصرة.
ذاكرة تتحرك.. وهوية لا تغيب
يكشف مسار السامري، الممتد عبر مئات السنين، أن الفنون العريقة لا تبقى لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها تمتلك القدرة على التجدد دون أن تتخلى عن جذورها. فقد استطاع هذا الفن أن يحافظ على روحه، وهو يواكب تحولات المجتمع، ليبقى أحد أبرز تجليات الهوية الثقافية السعودية. واليوم، لم يعد السامري مجرد قصيدة تُنشَد، أو إيقاع يُعزف، أو رقصة تُؤدَّى، بل أصبح سجلًا حيًا لذاكرة المجتمع، يجسد علاقة الإنسان السعودي بأرضه، وشعره، وثقافته، ويعكس منظومة من القيم الإنسانية والاجتماعية التي تناقلتها الأجيال. كما تؤكد المبادرات النوعية، والبرامج التدريبية، والدراسات الأكاديمية التي تشهدها المملكة، أن صون التراث لم يعد يقتصر على التوثيق أو العرض، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا يقوم على البحث العلمي، والتعليم، والتدريب، وتأهيل الممارسين، بما يضمن استدامة هذا الإرث الثقافي، ونقله إلى الأجيال المقبلة وفق أسس معرفية راسخة.
ولهذا، ففي كل مرة يعتلي فيها مؤدو السامري خشبة المسرح، لا يشاهد الجمهور عرضًا تراثيًا فحسب، بل يشهد ولادة الذاكرة من جديد؛ ذاكرة تنبض بالإيقاع، وتنطق بالشعر، وتتجسد في تناغم الصفوف، لتؤكد أن الفن الأصيل لا يشيخ، بل يزداد حضورًا كلما حملته الأجيال إلى المستقبل، وجعلت منه لغةً حية تروي قصة وطن، وتحفظ هويته، وتقدمها للعالم بكل فخر واعتزاز.