أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
كنتُ سألتُ (ذا القُروح) في المساق السابق:
ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرُّوا في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هم عليه؟!
والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ
حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!
تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. فيروسها الأوَّل: الاستسلام للتآمر العالمي على العقل، وأوَّل رايات هذا الاستسلام تبعيَّة العقل - الفردي والجماعي - للآخَر، إنْ صحَّ وصف ما في الرأس، وهو بتلك الصِّفة، بـ«العقل»، «وبعضُ العَقْلِ عُقَّالُ»!
ـ ولعلَّ من أسباب نقص المناعة الثقافيَّة الذاتيَّة، بصفةٍ عامَّة، التي تفتح النوافذ والأبواب لذلك الاستسلام، أنَّ ثقافتنا ظلت ثقافة كلاميَّة مِرائيَّة.
ـ هي كذلك. انظر -على سبيل النموذج- إلى معظم فعاليَّاتنا الثقافيَّة ، في وطننا العَرَبي، ستجدها نظريَّة غير منتجة حضاريًّا.
ـ وهي مسيَّسة غالبًا.
ـ تمامًا. التنوير، العلمانيَّة، الأصوليَّة، السلفيَّة، الفلسفة، ضد الفلسفة، قصيدة النثر، الشِّعر «العمودي»، الحداثة، التُّراث... وكلُّها خطابات استهلاكيَّة، يتلهَّى بها العُربان منذ مئة عام!
ـ بل قل منذ ألف عام.
ـ منذ مئة عام ازداد السُّعار، وما شهِدنا إلَّا بما علِمنا. يُناكِف أتباع تلك الأحزاب بعضهم بعضًا، مستهلكين الطاقات في ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، ولا يُغيِّر من الواقع قيد أنملة! على حين أنَّ الثَّورة الصناعيَّة هي التي أنتجت الحضارة الحقيقيَّة في الغرب. وهو ما أدركتْه بعض الأُمم الآسيويَّة، وعلى رأسها (اليابان)، فلم تنشغل بالمؤتمرات التي لا أوَّل لها ولا آخِر حول التنوير، والعلمانيَّة، والأصوليَّة، والسلفيَّة، والفلسفة... إلخ؛ لتعيد صناعة العجلات من جديد. بل بدأت من حيث انتهى الآخرون، مع المحافظة على مكتسبات التُّراث؛ فكانت تلك الأُمم كما أرادت، وأثبتت التحدِّي على مسرح العصر.
ـ بل أكثر من ذلك، لقد بقيت معظم النُّظُم الفكريَّة والاجتماعيَّة هناك على حالها القديم، ومهما بدت بدائيَّة.
ـ على حين يبدو أنَّ العَرَب سيرتعون في اجترار مؤتمراتهم السالف ذكرها إلى أبد الآبدين؛ فلا هُم أنتجوا تنويرًا ولا هم صنعوا صناعة.
ـ أمَّا في شأن اللُّغة والثقافة تحديدًا، فحدِّث ولا حرج!
ـ وفي مقابل الحال الآنف وصفها، وأمام أولئك الممسوخين المستلَبين المستعبَدين للآخَر، لغةً وثقافة، جماعاتٌ أخرى من المتشدِّدين، الذين لا يقلُّون إضرارًا بالعَرَبيَّة؛ بتحويلهم إيَّاها إلى جنادل من الحجارة، أو عجين هجين، لا هو عَرَبي ولا أعجمي. ليس بتجميدها في الماضي فحسب، بل أيضًا بتخريط مولَّدها، ومصطلحها، ودخيلها، في خريطةٍ واحدة، ظاهرها عَرَبي، وباطنها بلا هوية.
ـ مثلًا.
ـ خذ مثالًا من إصرار بعضهم على إلباس الكلمات الأجنبيَّة، بل التي هي من قبيل المصطلحات العلميَّة عباءة (أبي جهل) و(أبي لهب)!
ـ مع أنها عباءة قديمة لا تليق بها!
ـ وليست على مقاساتها، مضحِّين بالكلمة العَرَبيَّة قبل الكلمة الأجنبيَّة. مثال هذا كلمة (خارطة)، التي ليست بكلمة عربيَّة الأرومة، بل أصلها باللَّاتينيَّة (خارتا Charta). وتعني رُقعة وَرَقيَّة أو نحوها، مرسومة عليها صورة الأرض، أو صورة جغرافية ما. جمعها: خارطات.(1) فماذا فعل العُربان المحدَثون، لله دَرُّهم؟ سَمَّوها، لله دَرُّهم: (خريطة). مع أنَّ الخريطة معروفة عند العَرَب، ولها معنى آخَر، لا علاقة له بالموضوع، من قريب ولا بعيد، بل الخريطة كيس، أو وعاءٌ من جلد، أو من قماش. ارتبطَ في المجتمعات العَرَبيَّة إمَّا بالطَّحين، أو بالمتسوِّلين، الذين يحملون خرائطهم لملئها بما يجدون، أو يجود عليهم به الناس. ولن تجد كلمة (خريطة) في الشِّعر الجاهلي ولا في صدر الإسلام. وفي العصر الأموي، قال (الفرزدق)(2)، مشيرًا إلى متسوِّلٍ يتلقَّط في خريطته ما قسمه الله:
أُسَيِّدُ ذُو خُرَيِّطَةٍ نَهَارًا ..
مِنَ المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُسَامِ
حتَّى إنَّ (أبا بكر محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن سهل الخرائطي)، المتوفَّى 327هـ، إنما لُقِّب بـ(الخرائطي)، لا لعلاقته بالجغرافيا ورسم خارطاتها، كما قد يتبادر إلى الذِّهن الملتاث بتعريب المعرِّبين، بل لصناعة الخرائط أو بيعها، وهي الأكياس المعروفة. فخلطَ معرِّبونا، لله دَرُّهم، هذا المعنى العتيق بعِلم الجغرافيا. كلُّ هذا هروبًا من الأحرف اللَّاتينيَّة. ولم يكتفوا بهذا، بل أدانوا، «بأشدِّ العبارات»، من يستعمل كلمة (خارطة) في المعنى الجغرافي، قائلين: قل: خريطة، ولا تقل: خارطة! حتَّى إنَّ (نزار قباني) قمعوه لُغويًّا، فصار يحمل خريطته ويمشي خائفًا، وهو يقول:
أمشـي على ورقِ الخريطةِ خائفًا
فعَـلَـى الخـريطـةِ كُلُّنا أغـرابُ
وخريطةُ الوطنِ الكبيرِ فضيحةٌ
فحَـواجـزٌ ومـخـافـرٌ وكِـلابُ
والصواب العكس، للأسباب الآتية.
1- العَرَب لم يعرفوا قطُّ كلمة (خريطة) بالمعنى الجغرافي.
2- كلمة (خارطة)، بوصفها مصطلحًا جغرافيًّا، ليست عَرَبيَّة أصلًا. بل أصلها لاتيني، كما أوضحنا.
3- ليس من الحكمة الاصطلاحيَّة، في كلِّ حال، مزاحمة كلمةٍ عريقةٍ مستقرَّةٍ بأخرى مولَّدة، وإنْ كانتا عربيَّتين كلتاهما.
ـ ولكن ما أكثر ما يرتكب المعرِّبون من هذه الحماقات، فيخلطون الحابل بالنابل، مخترعين للكلمة معاني شتَّى، ما عرفها العَرَب.
ـ والبركة في مجامع اللُّغة العَرَبيَّة غالبًا، وفحولها من اللُّغويِّين الأخيار! وفي هذا إفساد معجمي، وعبثٌ لُغوي، وتضخيمٌ مرضي في دلالات الألفاظ. فكيف إذا كانت الكلمة المولَّدة مصطلحًا، وقد قيل قديمًا لا مشاحَّة في المصطلح؟! من حيث إنَّ المصطلح تعبيرٌ رمزي أو مجازي، وليس بكلمةٍ موروثة عن العَرَب بالضرورة، لا العاربة ولا المستعربة.
ـ بل كيف إذا كان المصطلح غير عَرَبي أصلًا؟!
ـ وإنَّما الصواب هنا ما قاله الشاعر (عبدالكريم معتوق)، مثلًا:
واعرفْ عَدُوَّكَ من صديقِكَ ربَّما
غيَّرتَ خارطةَ الصداقةِ والعداوةْ
وهذا النموذج من «التخريط»- أي إدخال مصطلحٍ عِلميٍّ أجنبيٍّ في خريطة (الفرزدق) القديمة، وإلزام ألسنة الناس بدخول تلك الخريطة، إنْ تحدَّثوا أو كتبوا، وإلَّا أُقيم عليهم الحَدُّ، تحت مقصلة (قُل ولا تقُل)- ليس بالنموذج الفريد، بل ستجد معجماتٍ كاملةً منه في العصر الحديث، تدلُّ على الجهل المركَّب، بالعَرَبيَّة، وبالمصطلح، فضلًا عن تاريخ الألفاظ وتطوُّر الدلالات، وعلاقة العَرَبيِّ بالمُعَرَّب والدخيل.
مرفأ
وإِنَّ الصَّبْرَ، إنْ تَصْبِرْ، فُـوَاقٌ،
وإِنْ تَجْزَعْ، تَـمُتْ جُرَعًا طِوَالا
فلا تَجْزَعْ لِصائـلَـةٍ ضَرُوْسٍ؛
فكُـلُّ ضُرُوْسِها عَجَمَتْ زَوَالا
ولا ظَفَـرٌ مَعَ البَاغِـيْ يُرَجَّـى
ولا رَجُـلٌ إِذا رُمْـتَ الرِّجَـالا
وأَعْـدَى مَنْ تُعادِيْـهِ صَدِيْـقٌ
بِسَيْفِكَ يَمْتَرِيْكَ دَمًا سِـجَالا
وما كُلُّ امْرِئٍ مَارَى يُـعَادَى
ولا كُلُّ امْرِئٍ جَـارَى يُـوَالَـى!
ــــــــــــ
(1) وقد نبه إلى هذا الأصل (بطرس البستاني)، في معجمه (محيط المحيط، (خرط)).
(2) يُنظَر: (1983)، ديوان الفرزدق، عناية: إيليا الحاوي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة)، 2: 530/ 6.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)