د.أمل بنت محمد التميمي
منذ القدم، اتخذ الإنسان من الحيوان رموزًا يجسد بها أسمى الصفات الإنسانية؛ فشبَّه حدة البصر بالصقر، والشجاعة والثبات بالنمر، والعمل الجماعي بخلية النحل. وخلال زيارة معرفية إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون بالرياض، وجدت هذه الرموز الثلاثة تتجسد أمامي تباعًا، حتى اكتملت صورة مؤسسة وطنية تجمع بين الرؤية، والقيادة، والعمل المؤسسي.
في الأول من يوليو 2026م نظم نادي النَّوَى زيارة معرفية إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون، بهدف تعزيز الوعي الإعلامي وبناء جسور التواصل بين المؤسسات الثقافية والإعلامية، وإتاحة الفرصة للشباب للاطلاع على التجارب الوطنية في صناعة الإعلام. ورافقني في الزيارة عدد من القيادات الشبابية الذين جمعهم الشغف بالثقافة والعمل التطوعي، رغم أن تخصصاتهم الأكاديمية في الصيدلة، وهو ما عكس إيمانهم بأن الإعلام والثقافة شريكان في بناء الوعي المجتمعي.
منذ دخولنا مقر الهيئة لمسنا مستوى التنظيم والاحترافية، بدءًا بالإجراءات الأمنية الدقيقة، ثم الاستقبال المميز من إدارة العلاقات العامة، التي حرصت على أن تكون الزيارة تجربة معرفية متكاملة. وفي كل محطة تولى أحد المختصين شرح طبيعة العمل، فتعرفنا إلى منظومة الإنتاج التلفزيوني، وتكامل الأدوار بين الإعداد والإخراج والتنفيذ، وكيف تتحول الفكرة إلى رسالة تصل إلى ملايين المشاهدين.
وكان من أبرز محطات الجولة زيارة غرفة الكنترول، حيث شاهدنا عن قرب كيف تعمل فرق متخصصة في تناغم دقيق لإدارة الصورة والصوت والإضاءة والبث المباشر. وهناك أدركنا أن الثانية الواحدة التي يشاهدها المتلقي هي ثمرة عشرات القرارات الفنية والهندسية المتزامنة، وأن النجاح في البث المباشر يقوم على عمل جماعي متقن لا يراه الجمهور.
كما تعرفنا إلى عدد من الأستوديوهات التي تختلف تصاميمها وتجهيزاتها بحسب طبيعة البرامج، واستمعنا إلى عرض عن تطور التلفزيون السعودي من بداياته إلى منظومة إعلامية حديثة تضم قنوات عامة ومتخصصة، منها قناة السعودية، وقناة SBC، والإخبارية، والقنوات الرياضية، وقناتا القرآن الكريم والسنة النبوية، إضافة إلى قناة ذكريات. ويعكس هذا التطور ما بلغته الهيئة من تقدم تقني ومهني في إدارة المحتوى الإعلامي.
وخلال الجولة اتضحت لنا الرسالة التي يحملها الإعلام السعودي؛ فهو لا يقتصر على إدارة القنوات، بل يؤدي دورًا وطنيًا وإنسانيًا في نقل رسالة المملكة إلى الداخل والخارج، من خلال محتوى متنوع يجمع بين المعلومة الموثوقة، والهوية الوطنية، والانفتاح على العالم، مستندًا إلى كفاءات وطنية وتقنيات حديثة ورؤية مؤسسية واضحة.
ومن أكثر محطات الزيارة تأثيرًا الصعود إلى برج التلفزيون، ذلك المعلم الذي ارتبط في ذاكرة أجيال من السعوديين بالأحلام والطموحات. ومن أعلى البرج بدت الرياض مدينةً تمتد في جميع الاتجاهات، واتسعت معها دلالة الرمز الأول؛ الصقر. فالإعلام الناجح لا يكتفي برؤية الحدث، بل ينظر إلى المشهد كاملًا، ويقدم صورة متوازنة تقوم على المعرفة والدقة والمسؤولية، وهي الرؤية التي يسعى إليها الإعلام السعودي في أداء رسالته.
بعد ذلك انتقلنا إلى مبنى الإذاعة، حيث اصطحبنا الدكتور عادل بن عيفان الحارثي في جولة استعاد خلالها تاريخ الإذاعة السعودية منذ انطلاق أول بث رسمي عام 1949م، وربط بين تاريخ المؤسسة وتجربته الشخصية فيها، مؤكدًا أن قيمة العمل لا تقاس بالمنصب، بل بما يتركه الإنسان من أثر. وفي كلماته تجسد الرمز الثاني؛ النمر العربي، بوصفه رمزًا للقيادة الواثقة التي تجمع بين الثبات، وتحمل المسؤولية، وصناعة الأثر المستدام.
وفي إذاعة الرياض اطلعنا على استديوهات البث المباشر وغرف التحكم، وشاهدنا عن قرب كيف تُصنع الرسالة الإذاعية، وكيف يتحول الصوت إلى وسيلة مؤثرة في بناء الوعي. وكانت هذه التجربة ملهمة للشباب، إذ أكدت أن الأفكار الكبيرة قد تبدأ من ميكروفون وصوت صادق يحمل رسالة واضحة.
وقبيل مغادرتنا الهيئة، ترك الدكتور عادل الحارثي في نفوسنا رسالة عميقة حين أكد أن المسؤولية فرصة لصناعة الأثر، وأن الإنسان ينبغي أن يغادر موقعه وقد قدم ما ينفع من يأتي بعده. كانت كلمات تختصر معنى القيادة الحقيقية، وتؤكد أن المؤسسات الناجحة تُبنى بالإنسان قبل المباني والتقنيات.
وأثناء مغادرتنا أدركت أن أكثر ما بقي في الذاكرة لم يكن الأجهزة الحديثة أو الأبراج الشاهقة، بل روح العمل التي تجمع منسوبي الهيئة. فقد بدت المؤسسة أشبه بـخلية نحل؛ يعمل الجميع فيها بتكامل وانسجام، يعرف كل فرد دوره، ويؤديه بإخلاص، لتخرج الرسالة الإعلامية في أفضل صورة.
ومن هنا يطيب لي أن أتقدم بالشكر للرئيس التنفيذي لهيئة الإذاعة والتلفزيون الأستاذ علي بن عبدالله الزيد، ولجميع منسوبي الهيئة الذين عكسوا خلال هذه الزيارة قيم الاحتراف والتنظيم والانفتاح على المجتمع، وأسهموا في تقديم تجربة معرفية ثرية للشباب والمهتمين بالإعلام والثقافة.
لقد غادرنا هيئة الإذاعة والتلفزيون، لكننا حملنا معنا درسًا يتجاوز حدود الزيارة. فقد تجسدت أمامنا ثلاثة رموز اختزلت فلسفة النجاح المؤسسي: الصقر الذي يرمز إلى الرؤية البعيدة، والنمر العربي الذي يجسد القيادة المسؤولة، وخلية النحل التي تعبر عن العمل الجماعي المتقن. وهي قيم صنعت تجربة وطنية تؤكد أن الإعلام السعودي ليس مجرد صناعة للمحتوى، بل رسالة وطنية تُبنى برؤية واعية، وقيادة ملهمة، وكفاءات تعمل بروح الفريق لخدمة الوطن والإنسان.
** **
- جامعة الملك سعود