د. طلال الحربي
ليس كل من قرأ مقالًا صحفيًّا قرأه فعلًا. فثمّة فرقٌ بين أن تمر عينك على السطور، وأن تتوقّف عند بنيتها لتسأل: كيف صِيغت؟ ولماذا بهذه الصيغة دون سواها؟ هذا السؤال الثاني، الأصعب والأبقى، هو ما اشتغل عليه الأستاذ الدكتور بدر علي العبدالقادر في كتابه الجديد، حين اختار مئة مقال من عمود «رأي الجزيرة» ليقرأها لا بوصفها مواقف عابرة، بل نصوصًا تنبض ببنيةٍ ودلالةٍ وسياق.
اللافت أن العيّنة لم تُختر اعتباطًا. مئة مقالٍ ممتدّة بين عامي 2014 و2026 وهي مدّةٌ تتقاطع بدقّةٍ مع مسار رؤية المملكة 2030 تكفي لاستخلاص أنماطٍ راسخة وبنى أسلوبية متكرّرة، لا انطباعاتٍ سريعة. والمؤلف وعى هذا التقاطع الزمني ووظّفه، فجعل من العمود سجلًّا لغويًّا يرصد تحوّل التنمية السعودية من خططٍ خمسيةٍ متعاقبة إلى رؤيةٍ شاملة أبعد مدى. وهذا الربط بين النص وسياقه التاريخي هو، في تقديري، أنفس ما في الكتاب: فاللغة عند العبدالقادر ليست قالبًا محايدًا، بل موقفٌ ورؤيةٌ وانحياز.
ولا يفوت القارئ أن اختيار صحيفة الجزيرة بالذات أعطى الدراسة عمقًا. فهي ليست منبرًا عابرًا في المشهد الصحفي السعودي؛ هي مؤسسةٌ راكمت عبر عقودٍ تقاليد كتابةٍ رصينة، ومنحت الرأي السعودي صوتًا متّزنا يخاطب الداخل والخارج بلغةٍ واحدة من الوقار. والمقال الافتتاحي تحديدًا، بوصفه لسان الصحيفة الناطق بموقفها، مادةٌ ثرية لمن أراد أن يفهم كيف تُصنع الرؤى وتُقدَّم للقارئ.
من الإنصاف أن يتوقّف الكتاب طويلًا عند صاحب هذه المقالات، الأستاذ خالد بن حمد المالك، رئيس تحرير الجزيرة. فالرجل ليس كاتبًا عاديًّا تُحلل لغته؛ هو تجربةٌ صحفية تمتد لأكثر من خمسة عقود، تعود إلى عام 1964، حين كانت الصحافة تنتقل من صحافة الأفراد إلى صحافة المؤسسات. عاصر المالك تطوّرات المملكة منذ عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- وعايش الخطط الخمسية واحدةً تلو الأخرى حتى الرؤية الراهنة. هذا الامتداد هو ما يفسّر قدرته على ربط الحدث بجذره، والإنجاز بسياقه الحضاري؛ فهو لا يكتب اللحظة معزولة، بل يكتبها وهو يرى ما قبلها وما بعدها. واختيار المؤلف له لم يكن مصادفة: قلّ أن تجد كاتبًا يجمع بين التمكّن في الشأن السياسي والتنموي والحضاري، والذاكرة الطويلة التي تمنح الكلمة عمقها.
كان يسيرًا على باحثٍ أن يقف عند حدود الإحصاء: يعدّ المفردات، ويرصد الظواهر، ويكتفي. لكنّ العبدالقادر تجاوز هذا إلى ما هو أبعد. في فصوله الثمانية التطبيقية وهي تتجاوز خمسمئة صفحة يفكّك المؤلف العلاقة بين البنية اللغوية والسياق الإعلامي، ويسأل عن الدور الذي تؤدّيه اللغة في تشكيل المواقف وإنتاج المعنى. هنا تحديدًا ترتفع الدراسة من توصيف النص إلى قراءة الوعي الذي أنتجه. وهو يتحرّك بثقة العارف بين التحليل النصي ومقاربات التداولية التي تسأل عن المخاطَب والمقصد والأثر، فيقدّم نموذجًا لمقاربة المقال الصحفي العربي من منظورٍ لسانيٍّ نصيٍّ متكامل، وهو منظورٌ لا تزال المكتبة العربية فقيرة فيه.
ثمّة فكرةٌ يضيئها الكتاب بوصفها قيمةً توثيقية: أن هذه المقالات لم تكن حبيسة صفحاتها. لقد صاغت وعيًا، وثبّتت سرديةً وطنية واثقة، ووثّقت على مدى أكثر من عقد تحوّلات المجتمع السعودي والعالم العربي وما رافقها من جدالاتٍ فكرية وقضايا شغلت الرأي العام. هذا الأثر الإيجابي في توجيه النقاش العام نحو جوهر القضايا يستحق أن يُدرَس بوصفه ثمرةً مباشرة لتلك البنية اللغوية المحكمة التي رصدها المؤلف بعنايةٍ.
وإذا كان من كلمةٍ تُقال محبّةً للعمل ، فهي أنّ الكتاب بغناه يفتح شهية القارئ إلى ما هو أبعد. تحليل الخطاب اليوم بات يستعين بأدواتٍ كمّية: الإحصاء اللغوي، وخرائط تواتر المفردات، وتقنيات تحليل المدوّنات النصية رقميًّا. ولو رافق المقاربةَ النوعيةَ العميقة التي أتقنها المؤلف شيءٌ من هذا البُعد الكمّي، لازدادت النتائج رسوخًا وقابليةً للتعميم. كذلك فإن فصلًا موجزًا يقارن لغة الجزيرة بلغة صحيفةٍ أخرى كان كفيلًا بإبراز خصوصية هذا الخطاب بوضوحٍ أشد. وهذه ليست ثغرات، بقدر ما هي أبواب يفتحها العمل نفسه لطبعةٍ ثانية، أو لباحثٍ قادمٍ يبني على ما أسّسه.
يبقى أنّ الدكتور بدر علي العبدالقادر قدّم إضافةً نوعيةً لحقلٍ لا تزال المكتبة العربية تفتقر فيه إلى الجادّ من الدراسات. كتابٌ يجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، ويُعلّمنا أنّ اللغة حين تُقرأ بوصفها فكرًا، تكشف عن أكثر ممّا قصده كاتبها. وذلك، في النهاية، أرفع ما يطمح إليه ناقد: أن يخرج من النص أكثر ممّا دخل به.