عبدالعزيز بن سليمان الحسين
أصبح التصوير ونشر المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي حاضرًا في معظم المناسبات، حتى باتت الكاميرات تسبق أحيانًا اللقاء نفسه. ولا شك أن التوثيق في حد ذاته ليس أمرًا مذمومًا، بل قد يكون عملًا محمودًا إذا كان ينقل علمًا، أو يوثق مبادرة، أو يبرز قيمة وطنية أو إنسانية، أو يقدم محتوى يعود بالنفع على المجتمع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كل تجمع خاص إلى مادة للنشر، وكل مناسبة عائلية إلى محتوى يبحث عن المشاهدات والإعجابات، دون مراعاة لخصوصية الناس، أو مشاعرهم، أو آداب المجالس.
فالمحاضرات، والندوات، والملتقيات الثقافية، والمبادرات التطوعية، والمواقف الإنسانية الجميلة، تستحق أن تُنقل؛ لأنها تقدم رسالة وفائدة، وقد تكون مصدر إلهام للآخرين. أما مناسبات العزاء، وزيارات المرضى، وموائد الغداء والعشاء، والتجمعات الأسرية الخاصة، فالأصل فيها الخصوصية، ولا حاجة إلى تحويلها إلى مشاهد تُبث للناس.
وقد عُرف عن العرب قديمًا كرم الضيافة، مقرونًا بصيانة كرامة الضيف. فلم يكونوا يتفاخرون بموائدهم، ولا يستعرضونها أمام الناس، رغم أنهم أهل كرم وجود. بل تُروى عنهم مواقف تدل على رقي الذوق؛ فمنهم من كان يطفئ السراج ليأكل الضيف براحة، دون أن يشعر أن أحدًا يراقبه، ومنهم من كان يترك الضيف وحده عند الطعام حتى يأخذ راحته، فلا يحرجه النظر، ولا تقيّده المجاملة. إنها قيم أصيلة تجعل راحة الضيف وكرامته مقدمتين على المظاهر.
أما اليوم، فأصبح بعض الناس يستقبل ضيوفه بالكاميرات والمصورين و«السنابات»، فيجد الضيف نفسه بين عدسات التصوير قبل أن يجد راحته، وكأن المناسبة خُلقت لتوثيقها لا للقاء أهلها.
كما أن بعض المناسبات العائلية قد تُصوَّر للاحتفاظ بها داخل الأسرة، وهذا أمر طبيعي، لكن نشرها على الملأ أمر آخر. فليست كل لحظة جميلة صالحة للنشر، وليست كل خصوصية تستحق أن تُعرض أمام الناس. فالبيوت لها حرمتها، والأسر لها خصوصيتها، والستر نعمة ينبغي المحافظة عليها. وليس من الحكمة أن يفتح الإنسان أبواب خصوصياته لكل أحد، فتقع عليها العيون، وتصبح مادة للتعليق، أو المقارنة، أو الحسد.
ومما يؤسف له أن بعض هذه الممارسات أصبحت مدفوعة بالرغبة في زيادة المشاهدات، أو لفت الأنظار، حتى غلبت الكاميرا على قيمة المناسبة نفسها. وهنا يحتاج الأمر إلى وعي أكبر، وإلى دور واضح من صاحب المناسبة في وضع ضوابط للتصوير والنشر، بما يحفظ خصوصية الحاضرين، ويصون كرامتهم.
ومن وجهة نظري، فإن ما ينبغي نشره هو ما يحمل رسالة نافعة، أو يعزز قيمة وطنية، أو يبرز مبادرة اجتماعية أو إنسانية، أو يقدم علمًا أو تجربة يستفيد منها الآخرون. أما ما عدا ذلك، فبقاؤه في دائرة الخصوصية أولى وأجمل.
فليس كل ما نراه يُصوَّر، وليس كل ما يُصوَّر يُنشر. وستبقى قيمة الستر، واحترام الخصوصية، ومراعاة مشاعر الناس، من أسمى الأخلاق التي تحفظ للمجتمع تماسكه، وللبيوت هيبتها، وللعلاقات الإنسانية جمالها.