سليم السوطاني
حرية الرأي متاحة للجميع، ومن حق أي قارئ أن يقول رأيه بكل تجرد في كتاب قرأه، ويوجه نقده إلى كاتبه، وهو أمر صحي للساحة الأدبية؛ أن تتداول أسماء الكتب وآراء القراء، بغض النظر عن الرأي الناقد الحصيف، والرأي الانطباعي.
ما دعاني إلى كتابة هذه المقالة هو متابعتي لما يطرح، عبر منصة «إكس»، لبعض القراء الذين لهم عدد لا بأس به من المتابعين، وكتاباتهم، سواء في المنصة أم من خلال اللقاءات الثقافية أو المنشورة، تتمحور حول الكتب وتقييمها والكشف عما تحتويه، فلاحظت أمرًا غير صحي وهو «التعالي» لدى بعض القراء والمهتمين بهذا الشأن، من خلال إصدار أحكامهم بالتقليل من كتاب ما، وسأحدد الرواية، بحكم أني محبٌّ لهذا الفن، وأقرأ بكثرة في هذا المجال، وغالبية الآراء، التي تقلل من قيمة تلك الأعمال الأدبية، هي مجرد آراء انطباعية، إذ نجد مثلًا قارئًا يقول عن رواية لم تعجبه: «لم أستطع إكمالها.../ لا يوجد فيها حبكة.../ يعتمد الروائي على اللغة الشاعرية...»، وعبارات من هذا القبيل، وكل الآراء لها كل الاحترام، ولكن لا يجوز لك أن تقلل من الرواية وكاتبها، قل رأيك وامضِ... وإذا أردت أن تكون قارئًا يمتلك أدوات النقد فبيّن كل نقاط الضعف، من خلال كل العناصر الفنية للرواية، فأساس العمل الروائي التكامل الجيد في جميع عناصره الفنية، ولا يقتصر فقط على حبكة مدهشة، أو لغة جدية أو شاعرية تراها أنت ثلمة في الرواية، في حين يراها غيرك لغة رائعة...
من وجهة نظري أن القارئ الذي يمتهن النقد، ويكتب آراءه النقدية وينشرها، ويتعدى ذلك إلى أن يمسك بزمام التوجيه للقراء الآخرين الذين يتساءلون عن رواية ينوون البدء في قراءتها، ويحذر من قراءتها، ويحكم عليها بأنها غير جيدة؛ لأنها لم تعجبه... فإني أعده قارئًا متعجلًا تنامت داخل نفسه عقدة الزهو والتعالي بأنه بات يرى نفسه قارئًا لا يشق له غبار، ورأيه قمين بأن يؤخذ في الاعتبار، وما عدا رأيه هو ردة فعل وثرثرة لا طائل منها...!
الفن الروائي فنٌ له قيمته الخاصة، فهناك حيوات تتحرك داخله، ومصائر، وفكرة غير مصرح بها تتغلغل داخل شخصياتها وحالاتهم النفسية وأحداث الرواية... ولا أظن أن أي قارئ يستطيع أن يعطينا رأيًا حصيفًا من أول قراءة، فالروايات تقرأ في أول الأمر للمتعة والبحث عما يشدك ويدهشك... وقد يكون أسلوب بناء الرواية لا يتسق مع هذه الرغبة، فمن الطبيعي أنها ستكون ممللة، وعندما تنتهي منها تشعر بالراحة من الخلاص منها، بعكس ما لو كانت تسير من البداية لإحداث الدهشة وتظل على الوتيرة نفسها، وعند نهايتها ستشعر بالحزن لانتهائها، وكم يتمنى القارئ لو أنها طالت!
من يريد أن يقول رأيه بمهنية نقدية حصيفة عليه أن يقرأ الرواية قراءة ثانية، قراءة يكون الهدف منها الكشف عن فكر الرواية، وما الذي أراد الروائي قوله لنا؟ وهذا الأمر لا يتأتى إلا بقراءة متأنية لتحليل النص وتقويمه.
بعض الروائيين يكون لديه مشروع روائي يسير على نهج معين، ويركز على جانب محدد ويعرف الأدوات التي يستخدمها في بناء مشروعه، ولا يستطيع القارئ كشف هذا الأمر إلا من خلال قراءة جميع أعماله.
خلاصة القول، على القراء أن يكونوا أكثر إقناعًا بآرائهم، وذلك من خلال التروي والبعد عن العجلة في إطلاق الأحكام وإبداء الآراء المقتضبة من دون أدلة عليها، وتجاوز الأعمال السيئة - كما يرونها - أو التي تكون دون ذائقتهم، والتركيز على الأعمال التي نالت إعجابهم والكشف عن كنوزها.
الشيء الذي سيبقى ويثري هو تشجيع الناس على الإقبال على القراءة بدون قيود وتوصيات.