د. عبدالله علي بانخر
هناك كتب تُكتب لتُقرأ، وهناك كتب تُكتب لتُسابق الزمن قبل أن تنطفئ آخر ذاكرة تحمل تفاصيلها. وكتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» للأستاذ عبداللطيف سعيد العمودي ينتمي إلى الصنف الثاني؛ فهو ليس عملاً أكاديمياً باردَ المنهجية، بل محاولة جادة لالتقاط ما تبقى من حكايةٍ طويلة قبل أن يبتلعها النسيان مع رحيل حامليها من كبار السن الذين عاصروا تفاصيلها بأجسادهم لا بمراجعهم.
الذاكرة الشفهية.. رأسمال مهدَّد بالانقراض
تختزن حضرموت في صدور شيوخها وكبار قراها كمّاً هائلاً من التفاصيل التي لم تجد طريقها إلى الورق يوماً؛ أسماء الأماكن ودلالاتها، ووقائع الهجرة اليومية، وطرائق العيش في الوادي والساحل، وأخبار الرحلات التي لم تُدوَّن لأنها كانت بديهية في زمانها. وحين يرحل حامل هذه الذاكرة، يرحل معه أرشيف كامل لا يمكن تعويضه. من هنا تكمن القيمة الحقيقية لكتاب العمودي؛ فهو لا يكتفي بترتيب المصادر المكتوبة، بل يسعى إلى تثبيت شذرات من هذه الذاكرة الشفهية المهدَّدة قبل أن تتبدد، محوّلاً إياها من حكاية متناقلة إلى وثيقة يمكن الرجوع إليها.
تريم وخزائن العلم.. حين كانت المخطوطة بديلاً عن الأرشيف
لا يمكن الحديث عن التوثيق في حضرموت بمعزل عن تراثها العلمي العريق، وفي مقدمته خزائن المخطوطات التي حفظتها تريم عبر قرون، والتي شكلت بديلاً محلياً عن مفهوم الأرشيف الرسمي بمعناه الحديث. فقد كانت الأربطة والمدارس العلمية تؤدي وظيفة توثيقية إلى جانب وظيفتها التعليمية، إذ حفظت الإجازات والمراسلات والفتاوى التي تكشف تفاصيل الحياة الاجتماعية والفكرية لأهل الوادي. ويستحضر الكتاب هذا الإرث ليؤكد أن حضرموت لم تكن يوماً بيئة شفهية محضة، بل عرفت تقليداً توثيقياً مبكراً، وإن ظل جزءا كبيرا منه حبيس الخزائن الخاصة بعيداً عن التداول العام.
من الرواية الشفهية إلى الرقمنة.. مسؤولية مؤجلة
يطرح كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» سؤالاً أوسع من نطاقه الخاص، وهو سؤال حفظ التراث المحلي في عصر تتسارع فيه وتيرة التحول الاجتماعي وتتراجع فيه فرص نقل المعرفة من جيل إلى جيل بالطريقة التقليدية القائمة على المشافهة والمجالسة. فالأجيال الجديدة أقل اتصالاً بمصادر الرواية الشفهية، وأكثر انشغالاً بإيقاع الحياة المعاصرة، الأمر الذي يجعل من مبادرات التدوين الفردي، كما فعل العمودي، جهداً استثنائياً يستحق أن يتحول إلى مشروع مؤسسي أوسع، يوظّف إمكانات الرقمنة والأرشفة الصوتية والمرئية لحفظ ما تبقى من رواة التاريخ الشفهي قبل فوات الأوان.
شبام وتريم.. حين يصبح العمران نفسه وثيقة
لا يقتصر التوثيق في الكتاب على الكلمة المكتوبة أو الرواية المنقولة، بل يمتد إلى قراءة المكان بوصفه نصاً قائماً بذاته. فأبراج شبام الطينية ليست مجرد إنجاز معماري، بل شهادة صامتة على منظومة معرفية متكاملة توارثتها الأجيال في البناء والتخطيط والعيش المشترك. وكذلك تريم، التي لم تكن حاضرة علمية فحسب، بل مساحة عمرانية عكست في تكوينها منظومة القيم التي تحدث عنها الكتاب. وبذلك يمنحنا العمودي قراءة مزدوجة؛ فالمكان يوثّق كما توثّق الكلمة، والعمارة تحمل من الدلالة ما لا تحمله أحياناً صفحات كاملة من الكتب.
حضرموت.. من التدوين الفردي إلى المسؤولية الجماعية
إن أهمية «شذرات من تاريخ حضرموت» لا تنبع فقط مما جمعه المؤلف من معلومات، بل مما يفتحه من نقاش حول ضرورة تحويل الجهد الفردي إلى مسؤولية جماعية تتبناها المؤسسات الثقافية والأكاديمية في حضرموت. فالحفاظ على الذاكرة الشعبية لا ينبغي أن يظل رهيناً بمبادرات متفرقة يقوم بها أفراد مهمومون بتراث بلادهم، بل يستحق أن يتحول إلى برنامج ممنهج لجمع الروايات الشفهية وتوثيق المخطوطات وأرشفتها رقمياً، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال القادمة سليمة من التحريف أو الضياع.
خاتمة.. الكتابة سباق مع الزمن
يبقى كتاب عبداللطيف سعيد العمودي شهادة على أن التاريخ المحلي لا ينتظر أحداً، وأن كل تأخير في تدوينه هو خسارة فعلية لجزء من الذاكرة الجمعية. وحين يكتب أبناء المكان تاريخهم بأنفسهم، فإنهم لا يؤدون واجباً ثقافياً فحسب، بل يخوضون سباقاً صامتاً مع الزمن، سباقاً تستحق حضرموت أن يخوضه أبناؤها جميعاً، لا فرد واحد بمفرده.