د. خالد بن سالم الحربي
موظف مجتهد في مؤسسة كبيرة، يُتقن عمله، ويبذل جهدًا مضاعفاً لإنجاز مهامه، بل ويقدم أفكارًا واقتراحاتٍ لتحسين الأداء. في المقابل، زميله، يقضي معظم وقته في ترديد عبارات المديح لمديره، يبالغ في الثناء عليه في كل اجتماع، ويُقلل من شأن زملائه ليظهر نفسه كالمخلص الوحيد للفريق. تفاجأ الموظف في نهاية العام بالحصول على تقييم متدن مع تعليق غامض عن «عدم الانسجام مع ثقافة وقرارات الفريق»، بينما حصل زميله على تقييم استثنائي وترقية بحجة أنه «عنصر فعّال ومحفز للبيئة العملية»!
شعر الموظف بالإحباط، وتساءل: «هل الجدية والإخلاص في العمل لم تعد تُقدر؟ أم أن النجاح يحتاج إلى تملقٍ ومبالغة في الثناء على من لا يستحقه؟». لم يجد إجابة إلا في تحديث سيرته الذاتية والبحث عن مؤسسة تُقدّر الكفاءة الحقيقية.
تتحول العلاقة بين الموظفين والقيادات في بعض المؤسسات من علاقة مهنية أساسها الاحترام المتبادل إلى المبالغة في التمجيد، حيث يتحول المدير إلى أسطورة يُبالغ في مدحها وتمجيدها، مما يتجاوز حدود الاحترام إلى التملق والنفاق. هذه الظاهرة ليست حديثة، لكنها تظهر في بيئات العمل التي تفتقر إلى الشفافية وتعتمد على العلاقات الشخصية أكثر من الكفاءة.
الخوف من فقدان بعض الامتيازات أحد أسباب هذه الظاهرة، حيث إنه يجعل الموظف يعتقد أن مجرد انتقاد المدير أو عدم تمجيده قد يعرضه للعقاب أو الحرمان من الترقيات. من الأسباب أيضاً أن بعض القيادات للأسف يروج لشخصنة النجاح (لولاي ما نجحتم)، مما يجعل الموظفين ينسبون كل إنجاز له، حتى لو كان مجهودًا جماعيًا. كذلك، غياب المعايير الصحيحة للتقييم، فعندما تُبنى الامتيازات على الولاء الشخصي أكثر من الأداء، يتحول الموظف إلى التركيز على إرضاء المدير بدلاً من إنجاز العمل. في الواقع، قد لا يكون المدير أو القائد وحده سبب هذه الظاهرة، فرغبة بعض الموظفين في الاستفادة المادية أو المعنوية تجعلهم يبالغون في المدح والثناء أملاً في الحصول على مكافآت أو مناصب أعلى.
هذه الظاهرة لها آثار سلبية حيث إنها تجعل بيئة العمل سامة، وتحولها إلى مسرح للمدح الزائف، وتقتل روح المبادرة والإبداع، وتُشعر الموظف الصادق بالإحباط، وبذلك يتراجع الأداء الوظيفي، وتقل الإنتاجية وتنتشر الثقافة الشكلية على حساب الجوهر. عندما يعتقد المدير أنه معصوم من الخطأ، يصبح أقل تقبلاً للنقد، مما يؤدي إلى قرارات خاطئة بسبب غياب التغذية الراجعة الصادقة. الأسوأ من ذلك، هروب الكفاءات، فالموظف الموهوب الذي يرفض المشاركة في هذه اللعبة قد يغادر المؤسسة، مما يفقدها كفاءات حقيقية.
يمكن أن نعالج هذه المشكلة (إذا صلحت النية) عن طريق وضع معايير للتقييم والترقية تعتمد على الأداء وليس العلاقات الشخصية. وكذلك عن طريق تشجيع النقد البناء، فالموظف يجب أن يشعر بالأمان عند تقديم ملاحظات صادقة دون خوف من العقاب. يجب تبني نمط قيادة يخدم فيه القائد فريقه وليس العكس، مع التركيز على نجاح المؤسسة ككل، والتوعية بمخاطر التملق، وتوضيح الفرق بين الاحترام الصحي والتملق الضار، وتأثيره على ثقافة المؤسسة. إن تمجيد القيادات بشكل مبالغ فيه ليس دليلًا على قوة المؤسسة، بل على ضعفها الثقافي والتنظيمي.
المؤسسات الناجحة هي التي تُبنى على الاحترام المتبادل، والشفافية، والتركيز على الأهداف المشتركة بدلاً من عبادة الشخصيات.
لا نريد أن تفقد المؤسسة روحها التنافسية والإبداعية، وتصبح بيئة طاردة للكفاءات. لذلك، من الضروري موازنة الاحترام مع النزاهة، لضمان استدامة النجاح المؤسسي الحقيقي.