خالد محمد الدوس
في زمنٍ طغت فيه التطبيقات الرقمية على تفاصيل حياتنا اليومية، وأصبحت بالتالي الهواتف الذكية امتداداً لأرواحنا قبل أيدينا، برزت معها ظواهر اجتماعية تستدعي التوقف والتأمل.
ولعل من أبرز هذه الظواهر التي تمس جوهر التعايش الإنساني، تلك الرسائل التي تتسلل إلى هواتفنا في ساعات متأخرة من الليل..!! حاملةً معها إزعاجاً لا مبرر له، وكاشفةً عن غيابٍ فادح في الذوق العام والوعي المجتمعي.
إنّ قضية إرسال رسائل الواتساب بعد منتصف الليل ليست مجرد (هفوة تقنية) أو سوء تقدير لضبط الإشعارات، بل هي انعكاسٌ صارخ لأزمة أخلاقية واجتماعية تعكس تدهوراً في القيم التربوية...! فمنذ أن أصبح هذا التطبيق جزءاً لا يتجزأ من نسيج علاقاتنا الاجتماعية والمهنية، تحولت الحدود الفاصلة بين الأوقات الخاصة والأوقات العامة إلى (خطوط رمادية) سهلة الاختراق، ومعها تلاشت مفاهيم احترام الخصوصية وراحة الآخرين.
ما أن يخلد الافراد للنوم ليلا بعد تعب وجهد «وظيفي» طوال اليوم، حتى يفاجأ أحدهم بصوت الإشعار الذي يقطع لحظات الاسترخاء، ليجد رسالة لا تحمل أي طارئ أو ضرورة، بل هي مجرد كلمات عابرة كان يمكن أن ينتظر حتى بزوغ فجر اليوم.. متناسيا أن «الساعة الثانية عشرة» هي وقت الراحة البيولوجية والنفسية وليس لعرض فيديوهات مضحكة، أو مناقشة قضايا عالقة.!!.وهنا يكمن السؤال الجوهري: هل أصبحنا نعيش في مجتمع فقد - بعض أفراده - القدرة على التمييز بين ما هو عاجل وما هو غير عاجل؟ وهل تمكنت التكنولوجيا من طمس معالم الذوق الذي كان سمةً بارزة في ثقافتنا العربية؟
إنّ إزعاج الآخرين في ساعات راحتهم ليس مجرد تصرف فردي يمر دون عواقب، بل هو سلوك يزرع بذور التوتر والضيق في العلاقات الإنسانية. فكم من صداقات تآكلت، وكم من خلافات أسرية نشبت، وكم من مشاعر سلبية تولدت بسبب رسالة وصلت في توقيت غير مناسب، حملت معها طلباً تافهاً، أو إعادة توجيه لمقطع فيديو، أو حتى مجرد «صباح الخير» التي جاءت في غير أوانها..!
وللأسف، فإن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة عمرية معينة، بل اجتاحت جميع الفئات، من المراهقين الذين يعيشون في فضاءاتهم الافتراضية، إلى بعض كبار السن الذين قد لا يدركون خطورة إزعاجهم للآخرين، بل حتى إلى فئة الموظفين (كلا الجنسين) الذين يظنون أن عملهم لا يحتمل الانتظار، متناسين أن راحة الإنسان ليست مجرد رفاهية، بل هي حق أساسي يكفله الدين والعرف والقانون.
إنّ غياب الذوق في استخدام وسائل التواصل ليس مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها بكتم الصوت أو وضع الهاتف في وضع الطيران، بل هو أزمة تربية وأخلاق تحتاج إلى معالجة جذرية.
فالذوق العام ليس مهارة مكتسبة من خلال دليل استخدام التطبيق، بل هو انعكاس لتربية متكاملة تغرس في الإنسان احترام خصوصية الآخرين، وتقدير أوقاتهم، واستشعار المسؤولية تجاه راحتهم النفسية والجسدية.
وبالطبع يبقى الحل مرهوناً بإعادة الاعتبار «للذوق العام» كقيمة اجتماعية لا تقل أهمية عن أي قانون أو تشريع.. فالذوق هو الضمير الحي للمجتمع، وهو الحارس الأمين للعلاقات الإنسانية، وهو ما يميز المجتمعات الراقية عن غيرها.
فكيف بنا إذا غابت أبسط مظاهر الأخلاق في التعامل اليومي..؟! وكيف بنا إذا أصبح إزعاج الآخرين في أوقات راحتهم أمراً عادياً لا يستدعي الاستنكار؟
أمام هذه المعضلة، يبرز دور (التوعية) كأداة فعّالة لإعادة صياغة السلوكيات الرقمية. فالمدارس والأسر ووسائل الإعلام مطالبة بتكريس مفهوم «الآداب الرقمية» كجزء من المناهج التربوية، بحيث يتعلم النشء منذ الصغر أن استخدام التكنولوجيا مسؤولية، وأن الحرية التي تتيحها وسائل التواصل تقترن بحدود أخلاقية لا يمكن تجاوزها.
كما أن على منصات التواصل نفسها، وفي مقدمتها (تطبيق الواتساب)، أن تطّور أدوات تحفز المستخدمين على «احترام أوقات الآخرين»، سواء من خلال تذكيرات تظهر عند محاولة الإرسال في ساعات متأخرة، أو من خلال خيارات تتيح جدولة الرسائل لتصل في أوقات مناسبة، مما يقلل من الإزعاج غير المقصود.
ولكن (التغيير الحقيقي).. يبدأ من «داخل كل فرد»، حين يستشعر أن احترام وقت الآخرين هو احترام لذاته أولاً، وأن من لا يقدّر راحة الناس لا يستحق أن يُقدّر. فالمجتمع كالجسد الواحد، كما وصفنا النبي صلى الله وعليه وسلم، في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».