د. آلاء علي سليمان المهنا
تشهد المملكة العربية السعودية اليوم تحولًا متسارعًا في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية باعتبارها أدوات قادرة على رفع كفاءة العمل وتحسين جودة الخدمات ودعم اتخاذ القرار.
وبرز حضور الذكاء الاصطناعي في القطاع العدلي كجزء من توجه وطني واضح يستند إلى رؤية المملكة 2030 والإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف بناء منظومة عدلية رقمية متكاملة أكثر كفاءة دون المساس باستقلال القضاء أو جوهر الحكم القضائي لأن العدالة في المملكة تقوم على مبدأ راسخ متمثل في استقلال القضاء، بوصفه سلطة مستقلة لا سلطان عليها إلا للشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية كما نص النظام الأساسي للحكم.
ويؤكد النظام القضائي أن القناعة القضائية تُبنى على تطبيق النص النظامي على الوقائع، لا على الاجتهاد في موضع النص.
وقد عبّر معالي وزير العدل ورئيس المجلس الأعلى للقضاء الشيخ الدكتور وليد بن محمد الصمعاني عن هذا المبدأ بقوله: لا اجتهاد في وجود النص النظامي، موضحًا أن مساحة التقدير القضائي تكون حصراً على الوقائع لا في النصوص. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في المحاكم السعودية باعتباره أداة مساندة للعمل القضائي، لا بديلاً عن القاضي ولا وسيلة للفصل الآلي في النزاعات.
فالذكاء الاصطناعي، في جوهره، أنظمة قادرة على تحليل البيانات والتعرف على الأنماط وربط المعلومات، بما يساعد على تسريع الإجراءات وتقليل الأعباء الإدارية وتوفير الوقت والموارد، مع بقاء سلطة القاضي كاملة في صياغة الحكم وتسبيبه.
ولكن تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على الحد من التحيز البشري غير المقصود، من خلال تقديم المعلومات بصورة موضوعية وتحليلها بعيدًا عن المؤثرات، مما يعزز حياد القضاء. كما يبرز دوره في إمكانية دعم البحث في السوابق القضائية، وتحليل مستندات الدعاوى، وتحسين الاتساق الإجرائي، دون التدخل في التكييف النظامي أو القناعة القضائية.
وقد انعكس هذا التوجه في مسار التحول الرقمي الذي تقوده وزارة العدل عبر منصة «ناجز»، التي أعادت تشكيل تجربة التقاضي إلكترونيًا، بدءًا من قيد الدعوى والإحالة وتحديد الاختصاص، وصولًا إلى إصدار الصك القضائي.
ومن التطبيقات الداعمة لهذا التحول حاليا تطبيق المحكمة الافتراضية للتنفيذ، وتطبيق النماذج الذكية لتفريغ الجلسات وتلخيصها، وخدمة «المساعد الذكي» في منصة ناجز التي تساعد المستفيدين في تحديد نوع الدعوى الصحيح قبل القيد، مما يقلل الأخطاء الإجرائية ويرفع جودة البيانات.
يتكامل هذا التطور مع البنية الوطنية للبيانات عبر البوابة السعودية للبيانات المفتوحة، وإتاحة واجهات برمجة التطبيقات لعدد من الجهات الحكومية، ومن ضمنها وزارة العدل ضمن أطر حوكمة تحافظ على الخصوصية. كذلك تأتي مبادرات مثل «ناجز مطورين» لتعزز مشاركة المجتمع التقني في تطوير حلول مبتكرة تدعم العدالة الرقمية وتثري المحتوى التقني العربي.
وفي جانب قياس الجاهزية الرقمية، يعكس المؤشر الوطني للذكاء الاصطناعي مدى استعداد الجهات الحكومية لتبني حلول الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.
هذا وقد حققت وزارة العدل نتائج مميزة، حيث حصلت على مستوى الإبداع في مؤشر التحول الرقمي لعام 2024، وحققت مستويات متقدمة في مؤشر نضج التجربة الرقمية عبر منصة ناجز، مما يعكس نضجًا تقنيًا ومؤسسيًا متقدمًا.
إن تجربة المملكة في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المحاكم تقدم نموذجًا مهمًا لنشر الوعي الرقمي، وتؤكد أن التقنية ليست بديلًا عن الإنسان، بل وسيلة لتمكينه وتعزيز دوره.
وعندما تُستخدم هذه التقنيات ضمن إطار نظامي واضح وحوكمة رشيدة، فإنها تصبح عنصرًا داعمًا للعدالة، ومنسجمة مع رسالة «العطاء الرقمي» في تمكين المجتمع رقميًا وإثراء المحتوى العربي وبناء وعي تقني مستدام يواكب التطورات الحديثة ويسهم في تحقيق التنمية.