أبوبكر الموسى
في السابع عشر من يونيو 2026، وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم فتحت مساراً تفاوضياً حُدّد له 60 يوماً قابلة للتمديد لمناقشة الملفات الجوهرية من التخصيب ومخزون اليورانيوم، في حين غابت ملفات مهمة أخرى كالصواريخ والأذرع الإقليمية، وقرأ كثيرون اللحظة باعتبارها مؤشراً على تحوّل في الحسابات الإيرانية، وبدا السؤال المطروح في ظاهره حول ما إذا كانت إيران تتراجع أخيراً أم تناور؟ هذا السؤال، على وجاهته، مبني على افتراض مسبق يستحق المراجعة، وهو أن التراجع والمناورة حالتان متنافيتان، إحداهما تُلغي الأخرى، والأقرب إلى الدقة أن مفتاح القراءة يكمن في التمييز بين مستويين، مستوى تتحرك فيه طهران دبلوماسياً فتوقّع وتحاور وتنفتح على محيطها، ومستوى أعمق تحكمه عقيدتها الأمنية ومنهجيتها البنيوية، والعلاقة بين المستويين ليست تناقضاً بقدر ما هي آلية وظيفية متكاملة يخدم فيها المسار التفاوضي الأهداف الإستراتيجية الثابتة.
على المستوى الدبلوماسي بدت المؤشرات ذات دلالة على تحوّل ما، حيث قبلت طهران الجلوس إلى طاولة مباشرة مع واشنطن في لحظة كانت فيها الضغوط في ذروتها، وهو قبول لم يكن مفروغاً منه في ضوء ما حدث في يونيو 2025 وفبراير 2026، وجاء تأييد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي للمذكرة، مع شيء من التحفّظ، ليمنح الاتفاق غطاءً مرجعياً صريحاً داخل منظومة القرار، فطهران لا تُقدم عادةً على خطوة بهذا الحجم دون توافق في المستويات العليا، وعلى مستوى الجوار، شهدت الفترة ذاتها انفتاحاً على قنوات الاتصال مع عدد من دول المنطقة، في مقدمتها المملكة وقطر والإمارات، وهو انفتاح يتجاوز البروتوكول المعتاد نحو تواصل أكثر مباشرة، يعكس إدراكاً إيرانياً متأخراً بضريبة العزلة الإقليمية، وهذه المؤشرات مجتمعةً تمثّل حراكاً دبلوماسياً لافتاً بمعايير السلوك التاريخي الإيراني، غير أن قراءتها على مستواها الظاهر وحده تظل ناقصة، فدلالتها الحقيقية لا تظهر إلا بالرجوع إلى المستوى الأعمق الذي يوجّه هذا السلوك ويحدد غايته.
وبالتالي فإن المشهد لا يكتمل من دون قراءة عميقة تبدأ من فهم منظومة القوة الإيرانية التي تقوم في جوهرها على مبدأ الحرب غير المتكافئة، بمحاوره الثلاثة من الأذرع الإقليمية، والقدرات السيبرانية، والملف النووي بوصفه ورقة ضغط، ومن اللافت في المرحلة التي أعقبت التوقيع أن هذه المحاور لم تشهد أي تراجع، فشهدت تثبيتاً وتقوية متزامنين مع الانخراط الدبلوماسي، وعلى صعيد الأذرع، أعلن حزب الله اللبناني رفضه فكرة تسليم سلاحه في الفترة ذاتها التي كانت فيها طهران منخرطة في التفاوض، مما يكشف أن الانفتاح لا يمتد إلى شبكة العلاقات الإقليمية، وعلى الصعيد السيبراني، كشف نائب الرئيس للعلوم والتقنية حسين أفشين، عبر وكالة إسنا الرسمية، عن نقلة هيكلية في إدارة الملف عبر نقله لعهدة المعاونية العلمية والرئاسية، مما يعني أن البنية التحتية الرقمية تُبنى بعمق مؤسسي يصعب تفكيكه، عبر بناء قدرات هجومية وتضخيم إعلامي لتأثيرها، مع الاحتفاظ بغطاء مدني يرسّخ لسياسة الإنكار ويستهدف الالتفاف على المحاسبة الدولية المباشرة، وعلى الصعيد النووي، أكّد الرئيس بزشكيان التمسك بحق التخصيب بصورة لا تحتمل التأويل، في رسالة بأن الملف سقف يحدد هوامش التفاوض، وفي مضيق هرمز، تصاعدت التوترات حتى وجّه الرئيس ترامب في 26 من يونيو اتهامات مباشرة لإيران بضرب سفن بمسيّرات، في حين أكدت الخارجية الإيرانية انتظام الملاحة، والتباين بين موقف الحرس الثوري وموقف الدبلوماسية الرسمية يكشف بنية مزدوجة تعتمد توزيع أدوار يصب في خدمة غاية واحدة.
في حال كان الانخراط الدبلوماسي حقيقياً، فإن التساؤل يبرز حول أسباب استمرار عملية تعزيز أدوات القوة التقليدية بالتوازي معه، وتكمن الإجابة في فهم البنية والعقيدة الأمنية التي تحكم صانع القرار في طهران، فشرعية النظام تستند في جوهرها إلى أيديولوجيا ولاية الفقيه المطلقة أكثر من استنادها إلى إنجاز سياسي أو توافق شعبي، وهي نظرية شاملة لا تحدّها الحدود ولا المذاهب، عابرة للجغرافيا الإيرانية بطبيعتها، تجعل من تصدير النفوذ ومواجهة الهيمنة الغربية وظيفةً عقدية قائمة بذاتها، وترتبط بها منظومة القوة من التخصيب إلى الأذرع إلى القدرات السيبرانية بوصفها امتداداً وظيفياً لها لا أدوات منفصلة عنها، كما ترتبط بالهوية التنظيمية للمؤسسة العسكرية والأمنية الارتكازية، التي أسهم توسعها في الاقتصاد والأمن على مدى العقود في تحويلها إلى فاعل دولتي مستقل بمصالح راسخة، مما يجعل أي مراجعة جذرية لملف الأذرع أو القدرات التقنية مساساً مباشراً بهذه البنية، ومن هنا يصبح ما يبدو مرونةً في السلوك الخارجي نهجاً تكتيكياً ظاهره براغماتي وجوهره حماية المنظومة من التآكل، فالسقف الفعلي لأي تفاوض محدد سلفاً بمعطيات سابقة على الموقف الظرفي، وما يمكن تقديمه هو تكييف الأدوات وتعديل وتيرة التوسع، دون مراجعة المسار الإستراتيجي. وهذا السلوك يطابق نمطاً متكرراً، ففي مرحلة أوباما انخرطت طهران في مفاوضات أفضت إلى اتفاق 2015 مع الحفاظ المتزامن على البنية النووية وتوسيع النفوذ عبر الأذرع، وفي مرحلة بايدن جرت جولات مطوّلة دون التخلي عن التخصيب، وهو النمط ذاته الذي تكرّر في المواجهة الأخيرة، حين أكّد محللو مركز دراسات «سي إس آي إس» أن التهدئة التي أعقبتها كانت هدنةً مؤقتة لا حلاً جذرياً، وأن محركات الصراع ظلت قائمة، وهو ما يجعل المذكرة الراهنة قابلة للقراءة في ضوء سابقاتها، وثمة صراع داخلي دائم بين تيار عقدي متصلب وتيار تكنوقراطي براغماتي مرتبط بالرئاسة، غير أن هذا الصراع يعيد هندسة الأولويات، فدور البراغماتيين هو تحصيل الموارد الاقتصادية وتخفيف العقوبات لتمويل استمرار المنظومة ذاتها لا الخروج عن سقفها، وكلما تآكلت الشرعية في الداخل وتآكلت معها مصادر القوة في الخارج، ضعُفت تدريجياً هيمنة أيديولوجيا ولاية الفقيه لحساب تيارات أكثر واقعية، غير أن هذا التعدد يبقى عاملاً قائماً لا يُفضي بالضرورة إلى تحوّل إستراتيجي قريب.
ومنظومة القرار الإيراني تتحرك وفق هندسة تفصل بين غايتين متوازيتين، فطهران لا تتبنى خياراً أحادياً بين الربط الكامل والتفكيك الكامل، فعلى المستوى الإستراتيجي البعيد تسعى إلى تفكيك الفاعلية العسكرية الأمريكية بوصفها مظلة أمنية للمنطقة وموازناً لقدراتها الإقليمية، وعلى المستوى التفاوضي الآني تحرص على إبقاء واشنطن طرفاً وحيداً تمر عبره ملفات الاستقرار الإقليمي، بما يتيح لها تحييد الفاعلين الإقليميين واحتكار صفة الطرف الذي لا يمكن تجاوزه، وتكمن مصلحتها في نقطة التوازن بين هذين المسارين، إبقاء واشنطن قناةً تفاوضية لرفع الضغوط الاقتصادية مع تحييد فاعليتها العسكرية كمظلة أمنية للمنطقة، مع حاجتها في الوقت نفسه إلى خصم أمريكي دائم الحضور يُشرعن منظومة وفكرة المقاومة.
في هذا السياق يجب أن تنظر دول الخليج إلى المذكرة من زاوية إستراتيجية أعمق من مضمونها المباشر، فما يعنيها ليس بنود الاتفاق بقدر ما يعنيها ألا تمنح أي تسوية النفوذ الإيراني فرصة للتمدد، فالرياض تسعى إلى تخفيف التوتر عبر انفتاح محسوب دون منح طهران شرعية إقليمية، مدركةً محدودية إدارة الصراع الإقليمي بالأدوات العسكرية، وأن أمن المنطقة واستقرارها مصلحة إستراتيجية عليا لا يحققها التصعيد وحده، ومع تباين حسابات دول المجلس في تفاصيلها، يبقى ثمة توافق فرضته الوقائع الميدانية وأكّدته التجربة، يقوم على أمرين، أولهما أن إبقاء إيران تحت سقف محدد ضرورة إقليمية لا خلاف عليها، وثانيهما أن أمن المنطقة لن يظل رهيناً للحسابات والأولويات المتقلبة التي تخضع للحملات الانتخابية في واشنطن واعتباراتها الداخلية.
ومن هنا يتحول المنظور الاستراتيجي من الاكتفاء بانتظار ما ستُسفر عنه الحسابات الأمريكية الإيرانية إلى بناء واستكمال عناصر القدرة والردع الذاتي، بحيث تبقى الشراكة مع واشنطن ركيزةً قائمة تُضاف إليها قدرة إقليمية مستقلة لا تُغني عنها ولا تُلغيها، بما يجعل كلفة أي تمدد إيراني باهظة بصرف النظر عن الموقف الأمريكي، ذلك أن التمدد المحتمل لن يأخذ شكل اختراق عسكري مباشر، فعقيدة الحرب غير المتكافئة تقوم على تجنب المواجهة المفتوحة، وإنما تعمل عبر مسارات متزامنة تشمل تعميق نفوذ الأذرع في دول الأطراف على الحدود كاليمن والعراق، واختراق البنى التحتية عبر الفضاء السيبراني، وتحويل ممرات الملاحة في هرمز وباب المندب إلى أوراق ضغط دائمة، وهذه المسارات قائمة وقابلة للتصاعد، ويتطلب احتواؤها ألا تبقى ضماناتها رهناً لجهة واحدة.