صالح الشادي
كان جدي -رحمه الله- وقد جاوز المائة والعشرين عاماً، يردد بعد كل صلاة كلماتٍ موجزةً ثقيلة: «يا رب يكفي».
كنت في صباي أظنها ذكراً عابراً، أو دعاءً من مأثور الأذكار، حتى نضجت بصيرتي وأدركت أن تلك الكلمات ليست ابتهالاً عادياً، بل هي صرخةُ روحٍ أضناها البقاء، واعترافُ قلبٍ ملَّ الامتداد في زمن لم يعد يحويه.
لقد عايش جدي أجيالاً وتتابع، ورأى أحبته يغادرون الدنيا واحداً تلو الآخر، حتى صار وحيداً في زحام الحياة، غريباً بين من حوله، يحمل في صدره ذاكرة قرنٍ مضى، ويتنفس هواءً لا يشبه هواءهم، ويتحدث لغةً يكاد الشباب لا يفقهون منها سوى اللفظ المجرد.
وتلك هي غربة العمر المديد، غربةٌ لا توصف ولا تُقاس بفقدان الأصحاب فحسب، بل بفقدان المعنى المشترك مع الزمن الحاضر. حين يموت جيلك بأكمله، وتصبح أنت الشاهد الوحيد على تاريخٍ انقضى، تشعر أن وجودك في هذا العالم صار شذوذاً عن النسق الطبيعي للأشياء.
تذكر أسماءً صارت طيَّ النسيان، تبكي على وجوه لم يعد يذكرها أحد، وتجد نفسك متحفاً بشرياً ينظر إليك الناس بعجبٍ، لا بحب، وكأنك بقيةُ سفينةٍ غرقت في بحر الزمن، تطفو وحدك على وجه الماء دون أن تدري لماذا أبقاك الله هنا.
هنا يبدأ الإنسان بالتساؤل المرير: لماذا أنا باقٍ وكل من أحب رحلوا؟
ولماذا تحتجزني هذه الدنيا وقد استوفيت كل ما فيها من حلو ومر، حتى صار طعم الحياة في فمي رمادياً لا يشبه الحياة؟
لكن القدر، بلطفه الخفي، أحياناً يجعل المرض رحمةً في ثياب عذاب، وتمهيداً لطيفاً قبل الرحيل الكبير.
فكم من مريضٍ عاش سنوات في أوجاعه، كانت تلك الأوجاع بمثابة إنذارٍ رحيم، يمهل الأبناء ليدركوا أن أيام أبيهم أو أمهم باتت معدودة، فتنشط الزيارات، وتُقال الكلمات المؤجلة، وتُدفن الخلافات، ويكون الوداع رقيقاً هادئاً لا فاجعاً مفجعاً. إن الفرق شاسع بين من يفقد عزيزاً فجأة، فيظل قلبه ينزف سنواتٍ بلا عزاء، وبين من يرحل بعد مرض طويل، فيكون فقدانه مؤلماً لكنه متوقع، محاطاً بتهيؤ النفس واستعداد الروح.
لقد كان مرض جدي -رحمه الله- مؤلم بظاهره، لكنه في حقيقة الأمر كان رحمة مهدت الطريق لوداعٍ غير صادم، وأتاحت لنا جميعاً فرصة أن نقول ما في قلوبنا قبل فوات الأوان، وأن نقدّر كل لحظة كأنها هبة أخيرة.
وهنا تبرز المفارقة الإنسانية الكبرى:
فالموت، الذي يُرعب الشباب الأصحاء ويُفزع المقبلين على الحياة، يتحول إلى أمنيةٍ عند من أنهكهم العمر وأضناهم الألم. ليس هروباً من الحياة ولا جحوداً لنعمها، بل اشتياق إلى راحةٍ لم تعد الدنيا قادرةً على منحها، وشوقاً إلى لقاءٍ يقطع تلك الغربة المؤلمة.
يقول الله تعالى: «كل نفس ذائقة الموت»، لكن طعم الذائقة يختلف باختلاف حال الذائق؛ فمن كان في قمة عافيته يرى الموت غولاً مفزعاً يقطع كل أمل، ومن أنهكه السنين والأمراض يرى فيه باباً مفتوحاً على رحمة الله وخلاصاً من ألمٍ لا يحتمل.
وإذا أضفنا إلى هذا الألم الجسدي ذلك الشعور الخفي المؤلم بأنهم أصبحوا عبئاً، ولو لم ينطق به أحد، بدأت الرحلة النفسية نحو تقبل الموت، بل التمني له، ليس كراهيةً في الحياة، بل محبةً لمن حولهم تخشى أن ترهقهم، وخوفاً من أن يروا في أعينهم نظرة شفقةٍ أو تضجرٍ يحرق كرامة العمر كله.
في ثقافتنا الشرقية، نجلّ كبار السن ونكرمهم، لكن انشغال الأبناء بحياتهم المعاصرة يترك الكبير وحيداً بين أربعة جدران، لا يشتاق إليه أحد إلا في المناسبات. وكم من عجوز لا يشكو من مرض عضوي، لكنه يئن من الوحدة التي تأكل روحه قبل أن تأكل الأمراض جسده.
حين يشعر الإنسان بأن وجوده صار كلفةً على غيره، تبدأ مأساته العميقة، وتتحول رغبته في البقاء إلى استغاثةٍ بالرحيل. غير أن النظرة الإيمانية للإسلام تمنح هذا الشعور سمواً وحكمة؛ فهي تجعل الموت ليس هزيمةً ولا انتحاراً، بل استسلاماً راضياً، وقناعةً بأن الله أعلم بمصالح عباده، وأن حسن الخاتمة هي الغاية الكبرى التي لا يبلغها إلا من وفقه الله.
ولعل من ألطف أسرار القدر وأعمقها رحمةً، أنه حين يريد بعبده خيراً يهيئ له أسباب الرحيل بهدوء؛ فيرسل أمراضاً تخفف حدة الصدمة، ويمدد في العمر قليلاً كي تهيأ القلوب، حتى إذا جاء الأجل لم يكن فاجئاً، بل كان خلاصاً منتظراً ودعاءً مستجاباً.
إن الأمراض التي تسبق الموت لدى كبار السن ليست إلا رحمةً إلهية، كي لا يكون الفراق كالصاعقة المدوية، بل كغروب شمس تدريجي، كل يوم يضعف ضوؤها حتى تغيب في هدوءٍ يليق بعمرٍ قضى في كبدٍ وصبر.
وحين عاد بي التفكير إلى جدي وهو يردد «يا رب يكفي»، أدركت أنه لم يكن يدعو بالموت يأساً، بل كان يعلن اكتفاءه من الدنيا، لا من خيرها، بل من تعبها، اكتفاءً من الفراق المتكرر، ومن الألم المتراكم، ومن تلك الغربة التي جعلته غريباً في كل مكان إلا في محراب صلاته.
وحين جاءه الأجل، لم يكن ذلك الموت المخيف الذي يخشاه الناس، بل كان إجابةً لدعاءٍ طالما تردد على لسانه، كان رحمةً ووفاءً، كان خاتمةً جميلة لحياةٍ حافلة، وخلاصاً لروحٍ لم يعد للدنيا في قلبه مكان، لكنه ظل صابراً محتسباً حتى نادى ربه فأجابه. وكلنا إليه راجعون، فإذا طال العمر، فليكن في طاعة وقناعة، وإذا قرب الأجل، فليكن في رضا واستعداد، فليس الموت دائماً فجيعة، بل هو أحياناً راحة لمن أنهكته الحياة، وسلام لمن غاب عنه السلام، ونهايةٌ تليق ببدايةٍ جديدة في دارٍ لا غربة فيها ولا ألم.