أحمد آدم
لم تعد الساحة السياسية الإيطالية تحتمل بساط البراغماتية الذي تحاول رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مده مع بروكسل؛ فبينما ينشغل العالم بأزمات الشرق الأوسط الساخنة، فجّر الجنرال المتقاعد روبرتو فاناتشي زلزالاً سياسياً في روما بإعلان حزبه الجديد «المستقبل الوطني»، ليتجاوز عتبة الـ5% في استطلاعات الرأي مهدداً الائتلاف الحاكم بالانفجار من أقصى اليمين الراديكالي.
هذا الصعود المفاجئ للجنرال المتمرد لم يعد مجرد شأن داخلي، بل تحول إلى فتيل مواجهة يهدد مباشرة وجود ومستقبل الجاليات العربية والإسلامية، ويضع استثمارات العواصم العربية وشراكاتها الإقليمية كـ«خطة ماتيي» في دائرة اختبار حرج ومراجعة استراتيجية لـ»إدارة المخاطر» طويلة المدى.
أولاً : زلزال سياسي مفاجئ بإيطاليا
انفصل الجنرال الإيطالي المتقاعد وعضو البرلمان الأوروبي، روبرتو فاناتشي، عن حزب «الرابطة»، وقام رسمياً بتأسيس حزبه الجديد الحامل لاسم «المستقبل الوطني». وعقد الحزب مؤتمره التأسيسي في العاصمة روما ليتحول إلى قوة سياسية قائمة بذاتها.
1- الانطلاق السريع والنمو في الاستطلاعات
وصف وسائل الإعلام الإيطالية والأوروبية صعود الحزب بـ«الزلزال السياسي»؛ نظراً للسرعة الكبيرة التي يكتسب بها شعبية. عدد الأعضاء: أعلن فاناتشي أن الحزب نجح في جذب أكثر من 100 ألف عضو مسجل في فترة وجيزة جداً.
الاستطلاعات الجماهيرية: أظهرت أحدث استطلاعات الرأي مثل معهد Youtrend وSWG صعود الحزب وتخطيه حاجز 5.6% إلى 5.9% من أصوات الناخبين. تجاوز الأحزاب التقليدية: بهذه النسبة، تفوّق حزب فاناتشي الجديد على أحزاب عريقة في الائتلاف الحاكم مثل حزب «الرابطة»، وبات يهدد بشكل مباشر الهيمنة السياسية لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
انشقاقات برلمانية: نجح الحزب في جذب عدد من النواب البرلمانيين الذين انشقوا عن أحزاب اليمين الأخرى للانضمام إليه.
2- التهديد بترحيل المهاجرين وإلغاء الجنسية.
3- تبني أيديولوجية يمينية متطرفة
يتبنى فاناتشي ومسؤولو حزبه أيديولوجية يمينية متطرفة وقومية متشددة جداً. وفيما يتعلق بالمغتربين واللاجئين، يركز برنامج الحزب علناً على (رفع شعار «إيطاليا للإيطاليين» ورفض سياسات دمج المهاجرين.
- فرض قيود صارمة للغاية تمنع منح الجنسية الإيطالية لأبناء دول العالم الثالث
- تبني سياسات «إعادة الهجرة»، وهو مصطلح سياسي يعني الترحيل الجماعي للاجئين والمهاجرين غير الشرعيين).
اتهام حكومة ميلوني الحالية بأنها أصبحت «ناعمة» وتخلت عن وعودها المتشددة بشأن السيطرة على الحدود. باختصار، الخبر لا يتحدث عن زلزال أرضي مدمر في إيطاليا، بل عن هزة سياسية حقيقية أحدثها هذا الجنرال المتقاعد، مما يشكل بالفعل حالة من القلق والتهديد المباشر لملايين المهاجرين واللاجئين في البلاد نتيجة لأجندته الطاردة للأجانب.
ثانياً: رد فعل رئيسة الوزراء الإيطالية
تجلّى رد فعل رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بالهجوم السياسي الحاد، والتشكيك في الهوية اليمينية لحزب الجنرال فاناتشي، واتهامه علناً بخدمة مصالح اليسار. فبصفتها زعيمة قوية وواقعية، لم تقف ميلوني مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد الذي يستهدف تفتيت كتلتها الناخبة اليمينية في انتخابات عام 2027، وجاءت تحركاتها وردود فعلها مقسمة على عدة مستويات:
1- الهجوم المباشر في البرلمان الإيطالي
كسرت ميلوني صمتها ووجهت هجوماً لاذعاً ومباشراً لأعضاء حزب «المستقبل الوطني» (نواب فاناتشي) داخل قاعة مجلس النواب الإيطالي. وقالت لهم بلهجة حادة: «أنتم لستم اليمين الحقيقي، أنتم تخدمون مصالح اليسار».
2- التذكير بالطعنات السياسية
أحرجت ميلوني نواب الحزب الجديد علناً برفضها لادعاءاتهم بحماية الهوية الإيطالية، مذكّرة إياهم بأنهم صوّتوا 6 مرات ضد منح الثقة لحكومتها المحافظة في البرلمان، بالتوافق مع أحزاب المعارضة اليسارية (مثل الحزب الديمقراطي وحركة النجوم الخمسة)، معتبرة أن من يسعى لإسقاط حكومة اليمين لا يدافع عن مصلحة إيطاليا.
3- الحفاظ على المسافة السياسية
تتعمد ميلوني حالياً إبقاء حزب «المستقبل الوطني» على مسافة بعيدة وفرض عزلة سياسية مؤقتة عليه. وترفض الاعتراف بفاناتشي كشريك ائتلافي، بل تعتبره عنصراً يهدف إلى إخلال التوازن داخل الائتلاف الحكومي الحالي (الذي يضم حزبها «إخوة إيطاليا»، وحزب «رابطة الشمال»، وحزب «فورزا إيطاليا»).
4- كواليس الاستعداد لـ«البديل البراغماتي»
بينما تهاجمه ميلوني في العلن للحفاظ على هيبة حكومتها، تُدرك من وراء الكواليس (بحسب المحللين السياسيين والتقارير الإيطالية) حجم المأزق؛ حيث إن صعود فاناتشي يسحب البساط من تحت أقدام حلفائها مثل «ماتيو سالفيني».
الخطة البديلة: لمحت قيادات من حزب ميلوني («إخوة إيطاليا») إلى أنهم قد يضطرون مستقبلاً، وقبيل الانتخابات المقررة، إلى مقارنة السياسات وعقد صفقة اضطرارية أو تحالف مع حزب الجنرال إذا استمر في الصعود، لضمان البقاء في السلطة ومنع تشتت أصوات اليمين.
إجمالاً، استغلت ميلوني لغتها السياسية القوية لتصوير حزب فاناتشي كحزب «مخرّب» لا يملك ولاءً حقيقياً لليمين، في محاولة منها لتحجيم سرعة انطلاقه قبل أن يبتلع الأحزاب الشريكة لها في الحكم.
ثالثاً: موقف روبرتو فاناتشي من الاتحاد الأوروبي
لا يدعو روبرتو فاناتشي إلى خروج إيطاليا الفوري من الاتحاد الأوروبي لكنه يتبنى موقفاً متشدداً ومتشككاً للغاية يسعى إلى هدم وتفكيك السياسات الحالية للاتحاد من الداخل. يرى فاناتشي أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل تسلب إيطاليا سيادتها وقرارها الوطني. وتتلخص رؤيته ومواقفه تجاه الاتحاد في النقاط التالية:
1- معارضة «الأجندات المشتركة» وهجومه على بروكسل
في خطاباته الرسمية وآخرها في المؤتمر التأسيسي لحزب «المستقبل الوطني»، يهاجم فاناتشي بشدة ما يسميه الأجندات المفروضة من الاتحاد الأوروبي، ويعارض علناً:
- الصفقة الخضراء: يراها قيوداً بيئية تدمر الاقتصاد والشركات الإيطالية.
- الدين الأوروبي المشترك وسياسات التقشف: يرفض أي وصاية مالية على الموازنة الإيطالية.
- قوانين الهجرة واللجوء الموحدة: يطالب بأن تكون السيطرة على الحدود قراراً سيادياً إيطالياً خالصاً.
2- التغيير من الداخل وليس الانفصال
بدلاً من الدعوة لـ«الطلاق» التام من الاتحاد، يفضل فاناتشي إستراتيجية «إعادة صياغة أوروبا»؛ فهو يشغل منصب عضو في البرلمان الأوروبي ويسعى، رفقة حلفائه من أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي، إلى تقليص صلاحيات المفوضية الأوروبية وتحويل الاتحاد إلى مجرد «تحالف دول ذات سيادة كاملة» بدلاً من كونه اتحاداً فيدرالياً يتخذ قرارات فوق- وطنية.
3- التحالف الأوروبي الأكثر تطرفاً
مؤشراً على توجهاته، انضم فاناتشي وحزبه الجديد إلى مجموعة «أوروبا الأمم السيادية» (ESN) داخل البرلمان الأوروبي. وهي الكتلة البرلمانية الأكثر راديكالية وتشدداً وتشكيكاً في الاتحاد الأوروبي (تضم أحزاباً مثل حزب البديل من أجل ألمانيا - AfD ) وذلك بعد أن تم طرده من مجموعة «وطنيون من أجل أوروبا» الأقل تشدداً.
4- نقطة الخلاف الجوهرية مع ميلوني
هذا الملف هو أحد أبرز أسباب صراعه مع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني. فبينما تبنت ميلوني بعد وصولها للسلطة نهجاً واقعياً وبراغماتياً، وأصبحت شريكة مقربة من بروكسل ورئيسة المفوضية الأوروبية (أورسولا فون دير لاين) لضمان تدفق المساعدات المالية لإيطاليا، يصف فاناتشي هذا النهج بـ«التنازلات والمساومات الفاشلة»، ويقدم نفسه للناخب الإيطالي كبديل لا يساوم على السيادة الإيطالية أمام بروكسل.
رابعاً : ردود أفعال الداخل الإيطالي
تتسم ردود الأفعال داخل المجتمع والساحة السياسية الإيطالية تجاه سياسات روبرتو فاناتشي بالانقسام الحاد والاستقطاب الشديد؛ حيث يُنظر إليه إما كـ «مُنقذ للهوية الإيطالية» أو كـ «خطر فاشي جديد» يهدد ديمقراطية البلاد. تنقسم ردود الأفعال في الداخل الإيطالي بوضوح إلى أربعة تيارات رئيسية:
1- التيار المؤيد (القاعدة الجماهيرية المتشددة)
يتكونون من الشباب المحافظين، المناهضين لسياسات الهجرة، وبعض قدامى المحاربين في الجيش والطبقات العمالية المتضررة اقتصادياً. رؤيتهم: يرون في فاناتشي «يوليوس قيصر العصر الحديث» وقائداً شجاعاً يجرؤ على قول ما يخشاه الآخرون. يلتفون حول كتابه الشهير «العالم مقلوباً» كدستور فكري لحماية الجذور المسيحية والرومانية لإيطاليا من سياسات العولمة والدمج.
2- معسكر المعارضة اليسارية والوسطية (الغضب والتحذير)
من هم؟ الأحزاب الليبرالية واليسارية مثل «الحزب الديمقراطي» وحركة «النجوم الخمسة»، بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية والعمالية. رد فعلهم: يصفون أفكاره وسياسته علناً بأنها «عنصرية، وفاشية جديدة، ومعادية للأجانب والنساء». ويتهمونه باستغلال أزمة المهاجرين لنشر خطاب الكراهية وتهديد السلم المجتمعي. وينظم هؤلاء مسيرات ووقفات احتجاجية مضادة كلما عقد فاناتشي مؤتمراً حاشداً.
3- المؤسسة العسكرية والأمنية الإيطالية (التحفّظ والنأي بالنفس)
موقفها: اتخذت القوات المسلحة الإيطالية ووزارة الدفاع موقفاً حذراً وصارماً منذ البداية. الإجراءات: جرى النأي التام بالجيش الإيطالي عن آراء فاناتشي السياسية، وصدرت قرارات رسمية سابقة بإيقافه عن العمل العسكري وتجريده من مناصبه القيادية داخل الجيش بسبب آرائه المتطرفة التي اعتُبرت مخالفة لالتزام العسكريين بالحياد السياسي.
4- حلفاء الأمس في اليمين التقليدي (الصدمة والشعور بالخيانة)
موقف حزب «الرابطة»: يعيش الحزب المحافظ الشريك في الحكومة حالة من الذهول والغضب، خاصة زعيمه «ماتيو سالفيني» (الذي كان قد تبنى فاناتشي سياسياً وقدمه للبرلمان الأوروبي). رد فعلهم: يعتبرون انشقاق فاناتشي وتأسيسه لحزب «المستقبل الوطني» طعنة في الظهر بهدف تفكيك حزبهم، خاصة بعد أن بدأ الحزب الجديد بالفعل في ابتلاع قاعدتهم الشعبية وتسبب في انشقاق عدة نواب برلمانيين من اليمين للانضمام إلى معسكر الجنرال.
باختصار، يمثل فاناتشي في إيطاليا اليوم فتيل «حرب ثقافية وسياسية»؛ فالشارع الإيطالي يرى فيه ظاهرة شعبوية متطرفة تبسط المشكلات المعقدة في شعارات جاذبة، مما يثير مخاوف حقيقية لدى النخبة الحاكمة والمعارضة على حد سواء من انزلاق البلاد نحو أقصى اليمين الراديكالي.
خامساً: التأثير على الاستثمارات العربية بإيطاليا
حتى الآن، تظل تأثيرات الصعود السياسي للجنرال فاناتشي على رؤوس الأموال العربية المستثمرة في إيطاليا محدودة وغير مباشرة، لكنها تفرض حالة من الحذر والترقب المستقبلي، خاصة في قطاعات معينة.
على عكس ملفات الهجرة واللاجئين التي يستهدفها الحزب بشكل مباشر، يتعامل رأس المال العربي (الخليجي تحديداً) مع السوق الإيطالية وفقاً لآليات مختلفة تماماً، ويمكن تلخيص التأثيرات الحالية والمحتملة في النقاط التالية:
1- حصانة «الاستثمارات السيادية» الكبرى
تتركز أغلب رؤوس الأموال العربية في إيطاليا عبر صناديق سيادية كبرى (مثل جهاز قطر للاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، وصناديق إماراتية وسعودية). هذه الاستثمارات موجهة نحو قطاعات استراتيجية مثل ( الفنادق الفاخرة والعقارات التاريخية (في ميلانو، روما، وسردينيا) - صناعة الأزياء والسيارات الفاخرة - قطاعات الطاقة والبنية التحتية ) . هذه الاستثمارات محصنة باتفاقيات دولية، وتُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد الإيطالي، ولا يستطيع أي حزب - حتى اليمين المتطرف - المساس بها لأنها لا تندرج تحت بند «العمالة الوافدة» أو «الهجرة» التي يحاربها الحزب.
2- التزام حكومة ميلوني بالضمانات الاقتصادية
بصفتها رئيسة للوزراء، تحرص جورجيا ميلوني على إبقاء علاقات إيطاليا الاقتصادية مع العالم العربي (خاصة دول الخليج ومصر وشمال إفريقيا) في أفضل حالاتها لتأمين تدفقات الطاقة والاستثمارات. خطاب ميلوني القوي ضد فاناتشي في البرلمان يبعث برسالة طمأنة للأسواق العالمية والمستثمرين الأجانب بأن الحكومة الحالية مسيطرة، وتلتزم بالقوانين الأوروبية المحمية للمستثمرين، ولن تسمح بقرارات شعبوية تضر بالاقتصاد.
3- مجالات القلق والمخاطر المحتملة (السيناريو المستقبلي)
رغم الاستقرار الحالي، هناك نقاط قد تثير قلق المستثمرين العرب إذا استمر حزب «المستقبل الوطني» في الصعود والضغط على الحكومة:
- استثمارات العقارات الفردية والمتوسطة: قد يتأثر المستثمرون العرب الأفراد (غير السياديين) الذين يملكون عقارات أو شركات متوسطة، نتيجة تشديد الإجراءات البيروقراطية المقترحة ضد الأجانب، أو زيادة التدقيق على التحويلات المالية الوافدة من خارج أوروبا.
- تأثيرات «شعبوية» على البورصة: إذا أظهرت استطلاعات الرأي لانتخابات 2027 احتمالية دخول فاناتشي في ائتلاف حكومي حاكم، قد يؤدي ذلك إلى تقلبات مؤقتة في بورصة ميلانو نتيجة مخاوف المستثمرين من سياساته المتشددة تجاه الاتحاد الأوروبي والصفقة الخضراء.
- الاستثمار في شمال إفريقيا (مشروع ماتيي): تقود ميلوني مشروعاً اقتصادياً ضخماً يُدعى «خطة ماتيي» للتعاون مع دول شمال إفريقيا والعالم العربي في مجالات الطاقة والتنمية لمنع الهجرة. صعود فاناتشي الذي يطالب بـ «الترحيل الفوري» والعداء المطلق قد يعرقل هذه الشراكات الإقليمية التي تساهم فيها رؤوس أموال عربية.
خلاصة القول: رأس المال العربي في إيطاليا يبحث عن الاستقرار السياسي والتشريعي. وفي الوقت الحالي، لا تشكل ظاهرة فاناتشي خطراً داهماً على هذه الاستثمارات، لكنها تظل عنصراً تدخله الصناديق الاستثمارية في حسابات «إدارة المخاطر» طويلة المدى لمراقبة مدى قدرة الحكومة الإيطالية على كبح جماح هذا الصعود اليميني الراديكالي.
سادساً: الأحداث تشكل خطراً مستقبلياً
الجنرال روبرتو فاناتشي وحزبه «المستقبل الوطني» يمثلان خطراً مستقبلياً حقيقياً ومباشراً على الجاليات العربية والإسلامية، بينما يظل خطرهما غير مباشر وتدريجي على الاستثمارات. ولإيجاز المشهد المستقبلي بناءً على معطيات عام 2026، نوضح كيف يتوزع هذا الخطر على المحورين:
1- الخطر المباشر والداهم على الجاليات العربية والإسلامية
هذا هو الهدف الرئيسي والمعلن في أجندة فاناتشي السياسية، ويتمثل الخطر في:
أ- استهداف الهوية والمساجد: يتبنى فاناتشي خطاباً يرفض صراحة التعددية الثقافية، ويعتبر انتشار المراكز الإسلامية والمساجد تهديداً لـ «الجذور المسيحية لإيطاليا»، مما قد يترجم مستقبلاً إلى قوانين تمنع بناء المساجد أو تقيد الأنشطة الثقافية للجاليات.
ب- شبح الترحيل وسحب الإقامات: يروج الحزب لمصطلح «إعادة الهجرة»، وهو ما يعني السعي لتعديل القوانين لتسهيل إلغاء إقامات الوافدين (حتى النظاميين منهم تحت ذرائع مختلفة) وترحيلهم، وتصعيب إجراءات لم الشمل العائلي.
ج- قوانين الجنسية المتشددة: يهدف الحزب إلى منع تجنيس أبناء المهاجرين المولودين في إيطاليا، وضمان بقاء المهاجر العربي في وضع قانوني «هش» يسهل إنهاؤه في أي وقت.
د- تغذية العنصرية المجتمعية: صعود هذا الخطاب يمنح شرعية شعبية لممارسات التمييز ضد العرب والمسلمين في مجالات العمل، السكن، والتعليم، مما يزيد من حالة الاستقطاب والاضطهاد اليومي.
2- الخطر غير المباشر على الاستثمارات العربية والإسلامية
على عكس الجاليات، لا يستهدف فاناتشي رؤوس الأموال العربية علناً، لكن سياسته تخلق بيئة طاردة للاستثمار نتيجة الآتي:
أ- ضرب الاستقرار التشريعي: رأس المال يهرب من الغموض؛ وصعود حزب يميني راديكالي يهدد بالصدام مع الاتحاد الأوروبي يؤدي تلقائياً إلى تقلبات في الأسواق المالية واهتزاز الثقة في الاقتصاد الإيطالي.
ب- تهديد الشراكات الإقليمية: الاستثمارات العربية (خاصة الخليجية) ترتبط بمشاريع طاقة وبنية تحتية مشتركة مع دول شمال إفريقيا (مثل مصر، تونس، والجزائر). السياسة العدائية لفاناتشي تجاه هذه الدول قد تدفع الحكومات العربية إلى سحب استثماراتها أو توجيهها لدول أوروبية أكثر ترحيباً واستقراراً.
ج- تأثر استثمارات الأفراد: المستثمرون العرب الأفراد (في مجالات العقارات، والمطاعم، والتجارة المتوسطة) سيكونون في واجهة المد البيروقراطي المتشدد، حيث قد تفرض الحكومة قيوداً على تملك الأجانب أو تدقيقاً مشدداً على أصول أموالهم.
خلاصة القول بينما تواجه الجاليات تهديداً يمس وجودها الاستقراري وحقوقها الإنسانية والقانونية بشكل مباشر، تواجه الاستثمارات خطر «البيئة غير الآمنة» التي قد تجبر رؤوس الأموال العربية على البحث عن ملاذات بديلة في أوروبا إذا وصل فاناتشي إلى سدة الحكم أو شارك فيه بقوة في انتخابات 2027.
سابعاً: ماذا نفعل؟
لمواجهة هذا المد اليميني الراديكالي المتصاعد في إيطاليا وأوروبا، يجب على الحكومات والجاليات العربية الانتقال من مرحلة «رد الفعل» إلى «المبادرة الاستباقية» عبر استراتيجيات دفاعية منظمة. فيما يلي خطة تحرك عملية ومقترحة لكلا الطرفين:
1- ماذا يجب أن تفعله الحكومات العربية؟
تمتلك الدول العربية أوراق ضغط اقتصادية وسياسية هائلة يمكنها كبح جماح أي توجه متطرف ضد مصالحها:
- استخدام سلاح «الارتباط الاقتصادي»: يجب ربط تدفق الاستثمارات وصادرات الطاقة (الغاز والنفط) بمدى التزام روما بحماية وحفظ حقوق وممتلكات الجاليات والمستثمرين العرب.
- الضغط عبر مشاريع التنمية الإقليمية: إيطاليا بحاجة ماسة لدول شمال إفريقيا لتأمين حدودها وتنفيذ مشاريع الطاقة (مثل خطة ماتيي الحالية)؛ وهنا يجب على الحكومات العربية جعل «المعاملة الإنسانية للمهاجرين» شرطاً أساسياً لاستمرار هذا التعاون الأمني والتنموي.
- تأسيس «مجالس حماية استثمارية»: إنشاء لجان قانونية مشتركة بين السفارات العربية ووزارات الاقتصاد الإيطالية لوضع أطر قانونية دولية تحمي الاستثمارات العربية المتوسطة والضخمة من أي تقلبات تشريعية شعبوية مفاجئة.
- دعم مراكز الفكر واللوبيات: تمويل مراكز أبحاث ومجموعات ضغط (Lobbies) داخل إيطاليا لشرح الأثر الإيجابي لرأس المال والعمالة العربية على الاقتصاد الإيطالي، ومواجهة سردية فاناتشي القائمة على التخويف.
2- ماذا يجب أن تفعله الجاليات العربية والمسلمة في إيطاليا؟
الجاليات هي خط الدفاع الأول في الداخل، وعليها تغيير طريقة اندماجها في المجتمع:
- الاندماج السياسي والتصويت بكثافة: السلاح الأقوى ضد اليمين هو صناديق الاقتراع؛ يجب على كل عربي يحمل الجنسية الإيطالية التسجيل والتصويت للأحزاب التي تدعم التعددية والمهاجرين (مثل الحزب الديمقراطي) لقطع الطريق على صعود المتطرفين.
- الانخراط في العمل المدني والنقابات: يجب على الشباب العربي دخول المعترك الاجتماعي الإيطالي، والانضمام إلى النقابات العمالية والمنظمات الحقوقية الإيطالية لبناء تحالفات قوية مع المجتمع المحلي الواسع الرافض لفاناتشي.
- الالتزام القانوني والشفافية المالية: تفويت الفرصة على خطابات التحريض عبر الالتزام الصارم بالقوانين الإيطالية، وضمان شفافية مصادر تمويل المراكز الثقافية والمساجد لمنع اليمين من استخدامها كمبرر للملاحقة القضائية أو الإغلاق.
- تصدير الصورة الإيجابية والإعلام البديل: إطلاق مبادرات إعلامية باللغة الإيطالية تخاطب المواطن الإيطالي العادي، لتبديد المخاوف وتفنيد الأكاذيب المحيطة بالجالية، وإبراز مساهمة الأطباء والمهندسين والعمال العرب في بناء الاقتصاد الإيطالي.
خلاصة القول، إن «زلزال فاناتشي» في روما يبرهن على أن صعود اليمين الراديكالي لم يعد مجرد موجة عابرة، بل تحول إلى بنية سياسية وتشريعية قادرة على إعادة صياغة التحالفات في قلب أوروبا. وإذ تقف الجاليات العربية والإسلامية اليوم في مواجهة تهديد مباشر يمس وجودها وحقوقها الإنسانية والقانونية، فإن رؤوس الأموال والاستثمارات العربية تجد نفسها أمام اختبار حتمي لإدارة المخاطر الجيوسياسية. إن هذا المد المتطرف لا يمكن كبحه بالشعارات، بل يتطلب انتقالاً فورياً من «رد الفعل» إلى «المبادرة الاستباقية»؛ عبر تفعيل لغة المصالح الاقتصادية وأوراق ضغط الطاقة من قِبل الحكومات، وتعميق الاندماج السياسي والتصويت الذكي من قِبل الجاليات. فالمنظومة الغربية لا تحترم إلا الكتل المنظمة، وبناء شبكات أمان قوية هو السبيل الوحيد لضمان الاستقرار وحماية المستقبل العربي في قلب القارة العجوز.