سعود عبدالعزيز الجنيدل
قد نقرأ نصًا سليم اللغة، محكم التراكيب، تنتظم جمله بأدوات الربط، وتنساب عباراته بسلاسة، ثم نغلق الصفحة ونحن نتساءل: ماذا أراد الكاتب أن يقول؟
فهل تكفي سلامة اللغة ليكون النص جيدًا؟ وهل الترابط بين الجمل كفيل وحده بصناعة نص مؤثر؟
لعل الإجابة تبدأ بالتفريق بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان، رغم أن لكل منهما وظيفة مختلفة في بناء النص، وهما Cohesion وCoherence.
يشير Cohesion إلى الترابط اللغوي بين أجزاء النص، أي الوسائل التي تصل الجمل بعضها ببعض، مثل الضمائر، وأدوات العطف، وأدوات السببية، والإحالة، والتكرار... وهذه الوسائل تجعل النص متماسكًا من حيث بناؤه اللغوي، وتساعد القارئ على تتبع العلاقات بين جمله.
أما Coherence فيتعلق بالترابط المعنوي، أي العلاقة المنطقية التي تربط الأفكار، وتجعل كل جملة امتدادًا لما قبلها وتمهيدًا لما بعدها، حتى يبدو النص وحدة فكرية متماسكة، لا مجرد جمل صحيحة متجاورة.
وقد يظن بعض الكتّاب أن كثرة أدوات الربط دليل على جودة النص، فيكثر من عبارات مثل: «لذلك»، و«من جهة أخرى»، و«إضافة إلى ذلك»، و«في المقابل»، بينما تظل الأفكار متنافرة، لا يجمعها موضوع، ولا يحكمها تسلسل.
ولنتأمل هذا المثال:
افتُتح المعرض الدولي للكتاب صباح اليوم، وشهد حضورًا كثيفًا من الزوار. ولذلك ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية، كما أكد المشاركون أهمية المحافظة على البيئة.
من الناحية اللغوية، لا يكاد القارئ يجد خللًا ظاهرًا. فالجمل مرتبطة بأدوات ربط، والضمائر تؤدي وظيفتها. غير أن المعنى يتعثر منذ الجملة الثانية، لأن العلاقة بين افتتاح معرض للكتاب، وارتفاع أسعار النفط، والمحافظة على البيئة علاقة منقطعة. فالترابط اللغوي حاضر، لكن الترابط المعنوي غائب.
وفي المقابل، انظر إلى هذا النص:
افتُتح المعرض الدولي للكتاب صباح اليوم، وشهد حضورًا كثيفًا من الزوار. كما نظمت الجهات المشاركة عددًا من الندوات الثقافية، التي تناولت مستقبل النشر الرقمي. وأسهمت تلك الندوات في زيادة الإقبال على المعرض، الأمر الذي يدل على تنامي الاهتمام بالقراءة.
هنا لم تتغير أدوات الربط، وإنما تغيرت العلاقة بين الأفكار، فالافتتاح قاد إلى الحديث عن الفعاليات، والفعاليات قادت إلى النتيجة، فاجتمع الترابط اللغوي مع الترابط المعنوي، وأصبح النص أكثر إقناعًا وأيسر فهمًا.
بل إن الترابط المعنوي قد يتحقق أحيانًا مع قلة أدوات الربط. فإذا قلنا:
بدأت الأمطار مع ساعات الفجر. امتلأت الشوارع بالمياه. تعطلت حركة المرور. باشرت الجهات المختصة معالجة المواقع المتضررة.
فالقارئ يدرك تسلسل الأحداث دون عناء، لأن العلاقة بين الجمل منطقية، وإن لم تكثر أدوات الربط بينها.
وهنا يغفل بعض الكتّاب عن حقيقة مهمة؛ فالنص لا يبدأ بالجملة، بل يبدأ بالفكرة. فإذا كانت الفكرة مضطربة، فلن تنجح أدوات الربط في إصلاحها، تمامًا كما أن إحكام وصلات الجسر لا يفيد إذا كان يؤدي إلى طريق غير مكتمل.
ولذلك يبدأ الكاتب المحترف بترتيب أفكاره قبل ترتيب ألفاظه. يسأل نفسه: ما الرسالة التي أريد إيصالها؟ وما التسلسل الذي ينبغي أن تسير فيه الأفكار؟ ثم تأتي اللغة بعد ذلك لتكشف هذا البناء، لا لتخفي عيوبه.
ولهذا فإن Cohesion ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة، وكذلك Coherence. فكلاهما يعمل في خدمة النص، لكن جودة النص لا تُقاس بوجودهما، وإنما بالغاية التي يقودان إليها.
ويبقى الحديث عن Cohesion وCoherence حديثًا عن الوسائل، لا عن الغايات. فهما يفسران كيف تتماسك الجمل، وكيف تنتظم الأفكار، لكنهما لا يجيبان عن السؤال الأهم: ماذا أراد النص أن يقول؟ فذلك سؤال المعنى.
وحين نصل إلى المعنى، نكون قد تجاوزنا حدود التراكيب وأدوات الربط إلى آفاق أرحب، شغلت اللغويين والبلاغيين والفلاسفة منذ قرون، ولا تزال تثير النقاش حتى اليوم.
وهنا يبرز سؤال لا يقل عمقًا: أيهما أسبق في صناعة النص وأولى بالعناية:
المعنى أم المبنى؟ أهو المعنى الذي يفرض على اللغة صورتها، أم المبنى الذي يصوغ المعنى ويوجهه ويؤثر في تلقيه؟
ذلك سؤال قديم، لم تُجمع عليه كلمة الفلاسفة ولا البلاغيين ولا حتى اللسانيين، وربما لن تُجمع.
ولعل اختلاف الإجابة هو ما أبقى هذا السؤال حيًا حتى اليوم.
أما تلك.. فمسألة أخرى.