رمضان جريدي العنزي
يسدُّ عن هذا دينًا أثقله، ويسعى لذاك في حاجته، ويعود مريضًا فيواسيه، ويفزع إلى محتاجٍ فيغيثه، ويقضي كربة مكروب، ويجبر خاطر يتيم، ويمسح دمعة أرملة، ويجعل من جاهه جسرًا تعبر عليه حاجات الناس، لا سلّمًا يرتقي به إلى مظاهر المجد الزائف، ذلك هو صاحب القلب الكبير، والمروءة التي لم تعبث بها المطامع، والشهامة التي لا تعرف المساومة، رجلٌ إذا ذُكرت الحاجات ذُكر، وإذا أعضلت الخطوب قُصد، وإذا ضاقت السبل كان من أوائل من يفتح بابًا للرجاء، ويُشعل في ظلمة اليأس سراجًا للأمل، ليس لأن الناس صفقوا له، بل لأن الله فتح له بابًا من أبواب الخير، فجعل حياته وقفًا على قضاء حوائج عباده، ما صنع مجده بكثرة الخطب، ولا بطنين الشعارات، ولا بزخرف الألقاب، ولا ببهرجة المجالس، ولا بعدسات التصوير، ولا بضجيج المنصات، ولا بقصائد المديح التي تُقال اليوم وتُنسى غدًا، وإنما شاده حجرًا فوق حجر من الأعمال الصامتة، والمواقف الصادقة، والأيادي البيضاء التي امتدت إلى الناس في خفاء، لا تبتغي ثناءً ولا تنتظر جزاءً إلا من الله.
لقد ترك أثره في البيوت قبل أن يترك اسمه في الصحف، وسكن القلوب قبل أن تسكن صورته الذاكرة، وأودع في نفوس المكروبين طمأنينة، وفي قلوب المعسرين رجاء، وفي حياة الضعفاء فسحةً بعد ضيق، تلك هي الآثار التي لا تمحوها الأيام، لأنها كُتبت في صحائف المعروف، لا على جدران الدعاية، وأمثال هؤلاء لا يموتون وإن واراهم التراب، ولا يغيبون وإن غابت أجسادهم، لأن أرواحهم باقية في دعوة يتيم، وابتسامة فقير، ودمعة أمٍ كفكفوها، وكربة ملهوف فرّجوها، ودين معسر قضوه، وموقف كريم أحيا في النفوس معنى الإنسانية، يرحلون عن الدنيا، ولكنهم يتركون فيها ما هو أبقى من الأجساد: الذكر الجميل، والأثر الصالح، والسيرة التي تتناقلها الألسن بإجلال، وترويها الأجيال بإعجاب، فما أكثر من ملأوا الدنيا صخبًا ثم ابتلعتهم غياهب النسيان، وما أقلَّ أولئك الذين عاشوا في صمت، فإذا غابوا علا ذكرهم، وإذا ماتوا ازدادت حياتهم في قلوب الناس، فالتاريخ لا يحفظ ضجيج المتصدرين، ولا يخلّد أصحاب المظاهر، وإنما يكتب بحروفٍ من نور أسماء الرجال الذين جعلوا من أعمارهم مواسم للعطاء، ومن جاههم بابًا للخير، ومن نفوسهم وطنًا لكل ملهوف، إن الرجال لا تُقاس قامتهم بما يقال فيهم، بل بما يتركونه خلفهم من أثر، ولا تُوزن أقدارهم بضجيج الثناء، بل بما خففوه من آلام، وما جبروا من خواطر، وما أحيوه من آمال، فالأقوال يطويها الزمن، أما الأفعال الصادقة فتبقى شاهدةً لأصحابها ما بقي المعروف معروفًا، وتظل ترفع أسماءهم في الأرض، وترجو لهم الرفعة عند رب السماء.