د. ناهد باشطح
فاصلة:
«لا يستطيع الإنسان أن يكون نفسه حقا إلا عندما يكون لوحده»
-شوبنهاور-
*********
يقول الفيلسوف الفرنسي «باسكال»: (تنشأ معظم مشكلات البشرية من عجز الإنسان عن الجلوس بهدوء في غرفته) وهو هنا يشير إلى صعوبة إيقاف الضجيج الخارجي والداخلي والأقسى هو الضجيج الداخلي، فبالرغم من شكوى الناس من ازدحام الرياض والضوضاء فيها مثلا، إلا أنهم لا يقبلون فكرة تطبيق الصمت عن الكلام!
لماذا ينزعج البعض من الصمت؟
ماذا يحدث في الدماغ عندما يختفي الضجيج؟
نحن غالبا نهرب من الصمت فنفتح الهاتف تلقائيًا في المصعد أو أثناء الانتظار لعشر ثوانٍ فقط؟
هل فقدنا القدرة على الجلوس مع أفكارنا، أو مواجهة مشاعرنا؟
وهل أصبح الضجيج ضرورة حياتية؟
مثلا نحن نفتح الهاتف ليس لأن لدينا حاجة حقيقية... بل لأن عقلنا أحيانا لا يحتمل عشر ثوانٍ من الفراغ؟
وهناك أسباب تجعلنا نفتح جوالنا باستمرار منها:
1- الدماغ لا يحب الفراغ
حينما نشعر بالفراغ يبدأ الدماغ تلقائيًا في استرجاع الأفكار والذكريات والتخطيط ويصبح فتح الهاتف وسيلة لملء هذه الثواني قبل أن يبدأ العقل في التجول.
2- تجنب المشاعر غير المريحة
أحيانًا لا نهرب من الصمت نفسه، بل من المشاعر التي قد تظهر فيه كالحزن، القلق، الشعور بالوحدة، أو حتى أسئلة مؤجلة عن حياتنا.
3- نظام المكافأة في الدماغ
كل إشعار برسالة أو فيديو جديد يمنح الدماغ جرعة صغيرة من الدوبامين، لذلك نتعلم مع الوقت أن مجرد فتح الهاتف قد يحمل مكافأة غير متوقعة.
4- الخوف من تفويت شيء (FOMO).
يخشى كثيرون أن يكون هناك خبر، أو رسالة، أو حدث فاتهم. حتى لو لم يكن هناك شيء مهم.
5- تحول السلوك إلى عادة تلقائية
إذ يصبح الدماغ يربط الانتظار، أو ركوب المصعد، بحركة تلقائية: اليد تتجه إلى الجيب أو الحقيبة قبل أن نفكر.
قد يظن الناس أن الصمت يسبب القلق، بينما في حالات كثيرة يكشف الصمت عن القلق الموجود أصلًا.
كثير من الناس يظنون أن الصمت هو الذي يولد القلق، بينما قد يكون القلق موجودًا أصلًا، لكن الضجيج كان يغطيه.
هل نستخدم الضجيج لأننا نستمتع به... أم لأننا نخشى ما سنسمعه عندما يسكت كل شيء، ولأن الصمت لا يسلبنا شيئًا، بل يعيد إلينا ما كنا نهرب من سماعه.
خضت تجربة الصمت عن الكلام لمدة ثلاثة أيام، أكثر من مرة، ظننت أن أصعب ما فيها هو ألا أتحدث مع أحد، لكنني اكتشفت أن الأصعب كان الحديث الذي لم يتوقف داخل رأسي، ثلاثة أيام بلا كلام، لم تكن تجربة سهلة، لكنها كانت من أكثر التجارب التي عرّفتني بنفسي، عندما اختفى الحوار مع الآخرين، ارتفع صوت الحوار الداخلي، وكأن النفس كانت تنتظر هذه المساحة لتقول ما أجّلته طويلًا».
لقد أصبحنا نملأ كل لحظة فارغة في يومنا بصوت أو شاشة، حتى فقدنا القدرة على الجلوس مع أنفسنا.
الفكرة في رأيي أعمق من مجرد «الصمت»، إنها عن علاقة الإنسان بجهازه العصبي.
ولذلك يلجأ بعضنا قبل النوم إلى تشغيل فيديوهات برنامج اليوتيوب، هم لا يبحثون عن فيديو جديد كل ليلة، بل عن مساحة تؤجل لقائهم مع همومهم وأحزانهم.
حين يهدأ جهازنا العصبي ويتعلم جسدنا أن يشعر بالأمان لن يكون الصمت فراغًا، بل مكانًا نسمع فيه أنفسنا دون خوف، فالصمت لا يصنع مشاعرنا، بل يكشفها، وحينها ننصت إلى صوتنا الداخلي فنفهم وندرك أكثر فنرتاح.