منصور بن صالح العُمري
ما كان اللسانُ في زمنٍ من الأزمنة أطولَ منه في زماننا؛ فقد صار للرجل ألفُ لسان، وللكلمة ألفُ جناح، وللظنِّ مركبٌ يطوف الأرض قبل أن يستيقظ الحقُّ من نومه.
نسمع فننقل، ونرى فنفسِّر، ونجهل فنحكم، ثم نمضي إلى أعمالنا هادئين... كأن وراءنا لم تُهدم سمعة، ولم يُكسر قلب، ولم تُشعل خصومة.
ونسينا أن الله قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
تأملها... لم يقل: فتخطئوا.
بل قال: {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ}؛ لأن الخبر حين يخرج من يدك قد لا يبقى خبراً، قد يصبح سهماً، والسهم إذا غادر قوسه لا يحمل اعتذار الرامي.
وفي زمانٍ صارت فيه الخلوات شاشات، والمجالس مجموعات، والغيبة تسجيلاً صوتياً، والنميمة «إعادة توجيه»؛ نحتاج أن نعيد فهم قول الله: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
لم يقل: ما يصرخ.
ولا: ما يكتب علانية.
قال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}.
فكل كلمة لها شاهد، وكل حرف له موضع، وما مسحته من هاتفك لم يُمحَ بالضرورة من صحيفتك.
يا صاحبي...
ليس كل ما بلغك يحق لك أن تنقله، ولا كل ما رأيته أحطت بحقيقته، ولا كل من أخطأ أمامك أذن الله لك أن تهتك ستره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ».
تأمل رهبة الحديث: بكل ما سمع.
قد لا تخترع الكذبة، ولكنك تحملها.
وقد لا تشعل النار، ولكنك تمدها بالحطب.
وقد لا تطعن الرجل، ولكنك تدلُّ الطاعنين على موضع قلبه.
ثم يأتي القرآن ليقيم سياجاً آخر حول كرامة الإنسان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}.
ظنٌّ في القلب... فنهى عنه.
وتجسسٌ بالعين... فحرمه.
وغيبةٌ باللسان... فشبَّهها بأكل لحم الميت.
كأن الشريعة تغلق عليك طرق الوصول إلى عرض أخيك من أول الخاطر حتى آخر الكلمة.
فأيُّ دينٍ هذا الذي يريد للإنسان أن يبيت آمناً حتى في ظنون الآخرين؟
وأيُّ خسارة أن نصلي طويلاً، ثم نطلق ألسنتنا في عباد الله؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ». ربما كان أعظم إصلاح نحتاجه اليوم ألا نقول كل ما نعرف، وألا نصدق كل ما نسمع، وألا نفتش عما ستر الله، وألا نجعل هواتفنا جسوراً تعبر عليها الخطايا إلى آلاف الصحائف.
قبل أن تضغط «إرسال»...
توقف لحظة.
ليس خوفاً من النظام، ولا خشيةً من الناس، ولا حرصاً على صورتك أمام الخلق.
ولكن لأن فوقك ربّاً يسمع، وعن يمينك وشمالك من يكتب، وأمامك يوماً ستقرأ فيه ما نسيت أنك قلته:
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.
هناك...
لن يكون في الصحيفة زرٌّ اسمه:
حذف لدى الجميع.