أمل حمدان الشريف
في الحياة، لا يخسر الإنسان شيئًا أثمن من أن يستهلك عمره وطاقته في معارك لا تستحق أن تُخاض، ومن أكثر تلك المعارك عبثًا، الدخول في مواجهة مع الحاسد؛ لأنه لا ينافسك على خطأ ارتكبته، ولا يخاصمك بسبب موقف اختلف معك فيه، بل يخاصمك لأن نعمةً عندك أيقظت في داخله شعورًا بالنقص، أو لأن نجاحك ذكّره بما عجز عن تحقيقه.
ولذلك، فإن تجاهل الحاسد ليس ضعفًا كما يظن بعضهم، بل هو قرار يتخذه العقل قبل العاطفة، والوعي قبل الانفعال، والحكمة قبل ردود الأفعال.
الحاسد لا ينتظر منك تفسيرًا، ولا يبحث عن قناعة، ولا يريد أن يسمع حجتك؛ لأنه حسم موقفه قبل أن يسمعك. وما دام الدافع هو الحسد، فإن كل إنجاز جديد سيعدّه استفزازًا، وكل نجاح سيفسره على غير حقيقته، وكل تقدم سيتمنى لو أنه لم يكن.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع نضج التجربة، أن ليس كل من أساء يستحق جوابًا، وليس كل معركة تستحق أن تُخاض، فهناك انتصارات يصنعها الصمت، وأخرى يصنعها الإصرار على مواصلة الطريق، وثالثة تتحقق عندما يدرك الإنسان أن وقته أثمن من أن يُهدر في ملاحقة أصحاب القلوب التي أرهقها الحسد.
كم من ناجحين تعثروا، ليس لأن خصومهم كانوا أقوى، بل لأنهم منحوا الحاسدين مساحةً أكبر مما يستحقون، فشغلوا أنفسهم بالرد، وانصرفوا عن البناء، وفي المقابل مضى آخرون في طريقهم بثبات، غير عابئين بالأصوات التي حاولت إرباكهم، فكان إنجازهم هو الرد، واستمرارهم هو الانتصار.
إن الحاسد لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن أثر يتركه في نفسك، يريد أن يراك منشغلًا به، مستنزفًا في الرد عليه، غارقًا في تبرير نجاحك، فإذا لم تمنحه هذه المساحة، فقد سقطت أهم أوراقه، وفقد أكثر ما كان يطمح إليه.
وليس المقصود بالتجاهل التفريط في الحقوق أو التساهل مع الإساءة، فالحقوق تُصان، والأنظمة والعدالة كفيلة بإنصاف أصحابها، لكن الحكمة تقتضي ألا نسمح للحاسد أن يتحول إلى محور حياتنا، أو أن يسرق منا صفاءنا، أو أن يفرض علينا إيقاعًا نعيش في ظله.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل ناجح على نفسه: لماذا أسمح لمن ضاق صدره بنجاحي أن يضيق صدري به؟
إن الحياة أقصر من أن تُستهلك في الردود، وأوسع من أن يختصرها الحاسدون، فامضِ إلى أهدافك، وواصل بناءك، واترك للأيام أن تقول كلمتها؛ فالتجاهل، حين يكون في موضعه، ليس انسحابًا من المواجهة، بل هو استراتيجية وعي، وحكمة، وذكاء.
وأؤمن أن الحاسد لا يهزمه غضبك، بل يهزمه نجاحك. ولا يربكه ردك، بل يربكه أن تمضي في طريقك بثبات، غير عابئٍ بضجيجه، لأن أعظم رد على الحاسد أن يرى نعمة الله عليك تكبر، بينما يعجز هو عن إيقافها.