تغريد إبراهيم الطاسان
هناك إنجازات تُقاس بالأرقام، وأخرى تُقاس بالمشروعات، وثالثة تُقاس بحجم الاستثمارات. لكن هناك إنجازًا مختلفًا لا ينتبه إليه الناس إلا عندما يفقدونه، إنه الأمن.
فالإنسان لا يفكر كل صباح وهو يغادر منزله في نعمة الأمن، لأنه اعتادها. يذهب إلى عمله، وتذهب ابنته إلى جامعتها، ويخرج أطفاله إلى مدارسهم، ويمارس الناس تجارتهم، وتسير الحياة بصورة طبيعية، حتى يبدو الأمن وكأنه أمر تلقائي. بينما الحقيقة أنه أعظم مشروع تعمل عليه الدول، وأكثرها تعقيدًا وكلفة.
ومن هنا تأتي أهمية تصدّر المملكة العربية السعودية دول مجموعة العشرين في مؤشر الأمان لعام 2025. فهذا الإنجاز لا يعني مجرد مركز متقدم في تقرير دولي، بل يعني أن الدولة نجحت في تحقيق واحدة من أهم وظائفها؛ أن تجعل الإنسان يشعر بالطمأنينة دون أن ينشغل كل يوم بالسؤال عن سلامته.
لقد أثبتت التجارب أن الاقتصاد لا يزدهر في بيئة مضطربة، وأن الاستثمار يبحث أولًا عن الاستقرار قبل أن يبحث عن الفرص، وأن السائح يختار وجهته حين يثق بأمنها، وأن جودة الحياة تبدأ من شعور الإنسان بأن القانون حاضر، وأن حقوقه مصونة، وأن النظام يعمل بكفاءة وعدالة.
ولهذا فإن الأمن ليس قطاعًا منفصلًا عن التنمية، بل هو القاعدة التي تقوم عليها كل خطط التنمية. فلا تعليم مزدهر بلا أمن، ولا صحة مستقرة بلا أمن، ولا ثقافة تنمو في بيئة يسودها الخوف، ولا اقتصاد يستطيع أن يجذب العالم إذا غابت الطمأنينة.
وما يميز التجربة السعودية أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصرًا على مكافحة الجريمة أو حماية الحدود، بل أصبح جزءًا من مشروع وطني شامل، يتكامل فيه الأمن مع التقنية، والخدمات الرقمية، والعدالة، والاستجابة السريعة، وجودة الحياة، حتى أصبح المواطن والمقيم والزائر يعيشون منظومة متكاملة من الطمأنينة.
وربما لهذا السبب أصبحت المملكة اليوم وجهة لملايين الزوار سنويًا؛ للحج والعمرة، وللسياحة، وللأعمال، وللاستثمار، وهم يدركون أن الأمن ليس شعارًا يُرفع، بل واقعًا يلمسونه في الطرق، والمطارات، والأسواق، والفعاليات، وفي تفاصيل الحياة اليومية.
ولا شك أن ما تحقق هو ثمرة دعم القيادة الحكيمة، التي جعلت أمن الإنسان واستقراره في مقدمة الأولويات، وعملت على بناء مؤسسات أمنية احترافية، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، والتعامل مع التحديات بكفاءة عالية.
إن قيمة الأمن الحقيقية لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في قدرة الدولة على أن تجعل الهدوء هو الحالة الطبيعية للمجتمع. وهذا هو الإنجاز الذي يصعب قياسه بالأرقام وحدها؛ لأنه ينعكس في ثقة الناس، وفي حركة الاقتصاد، وفي ابتسامة السائح، وفي استقرار الأسرة، وفي المستقبل الذي يبنيه الوطن بثبات.
فالأمن ليس مجرد غياب للخطر، بل حضور دائم للدولة، وعدالة للنظام، وثقة للمجتمع. وحين يصبح الأمن أسلوب حياة، تصبح التنمية أكثر رسوخًا، ويغدو الوطن أكثر قدرة على صناعة مستقبله بثقة واطمئنان.