د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
تحويل فائض الطاقة إلى قيمة اقتصادية للمزارعين وتقليل الضغط على الشبكة الكهربائية
تشهد المملكة العربية السعودية توسعًا متسارعًا في استخدام أنظمة الطاقة الشمسية، خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، في سياق التحول الوطني نحو تنويع مصادر الطاقة وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. غير أن هذا التوسع يكشف عن تحدٍّ تشغيلي مهم يتمثل في عدم التوافق بين أوقات إنتاج الطاقة وأوقات استهلاكها. فالطاقة الشمسية تُنتج بكثافة خلال ساعات النهار، بينما لا يتطابق ذلك دائمًا مع نمط استهلاك المستخدمين، وهو ما تُشير إليه الأدبيات الحديثة في تخطيط الطاقة بمفهوم «منحنى البطة» (Duck Curve)، الذي يعكس فجوة زمنية بين ذروة الإنتاج وذروة الطلب.
في القطاع الزراعي، على سبيل المثال، تُظهر مزارع القمح نمطًا واضحًا لهذا الخلل؛ إذ تمتد دورة الزراعة في الغالب لنحو أربعة أشهر خلال فصل الشتاء، وهي الفترة التي يرتفع فيها استهلاك الطاقة لتشغيل أنظمة الري والمضخات. لكن بعد انتهاء الموسم، ينخفض الاستهلاك بشكل حاد، وقد يقتصر في بعض الحالات على تشغيل محدود لا يتجاوز ساعة أسبوعيًا لأغراض تعبئة خزانات المياه. وفي المقابل، تستمر أنظمة الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء يوميًا، ما يعني وجود فائض كبير غير مستغل.
الصورة ذاتها تتكرر في القطاع الصناعي، حيث تمر بعض المصانع بفترات توقف سنوية مبرمجة لأعمال الصيانة وإعادة ترتيب خطوط الإنتاج، وخلال هذه الفترات ينخفض الاستهلاك إلى حدوده الدنيا، بينما يستمر إنتاج الطاقة الشمسية، مما يؤدي إلى فقد جزء من القيمة الاقتصادية للنظام.
في هذا السياق، يبرز نظام صافي القياس (Net Metering) كأداة عملية لمعالجة هذا الخلل، حيث يتيح ضخ الفائض من الطاقة إلى الشبكة الكهربائية، مقابل رصيد يُحتسب للمستهلك يمكن استخدامه لاحقًا. وقد أُقرت هذه الآلية في المملكة ضمن أطر تنظيمية تشرف عليها هيئة تنظيم المياه والكهرباء، إلا أن نطاق تطبيقها لا يزال بحاجة إلى توسع وتفعيل أكبر. أثر مباشر على المزارعين والمستثمرين، يسهم صافي القياس في:
- تحويل الفائض غير المستغل إلى قيمة اقتصادية فعلية.
- خفض التكاليف التشغيلية على المدى المتوسط.
- تحسين جدوى الاستثمار في الأنظمة الشمسية.
- تحقيق قدر أعلى من الاستقرار المالي للمشاريع ذات الاستهلاك الموسمي.
وفي قطاع حيوي كالزراعة، فإن خفض تكلفة الطاقة لا ينعكس فقط على الربحية، بل يمتد إلى دعم استدامة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي.
قيمة مضافة للشبكة الكهربائية: من جانب آخر، يوفر التوسع في صافي القياس مزايا مهمة، من أبرزها:
- الاستفادة من طاقة نظيفة موزعة دون الحاجة إلى إنشاء محطات إضافية.
- الإسهام في إدارة الأحمال وتقليل الضغط على الشبكة.
- تحسين كفاءة مزيج الطاقة الوطني.
مع ضرورة مراعاة الجوانب الفنية المرتبطة باستقرار الشبكة وإدارة التذبذب في الإنتاج، وهي تحديات يمكن التعامل معها ضمن الأطر التنظيمية والتقنية الحديثة.
توصية عملية، إن المرحلة القادمة تتطلب:
- توسيع نطاق تطبيق صافي القياس ليشمل حالات الاستهلاك الموسمي (كالزراعة والصناعة).
- مراجعة الحدود الفنية والسعات المسموح بها.
- تطوير آليات تسعير مرنة تعكس القيمة الفعلية للطاقة النظيفة.
- تحفيز الاستثمار في الأنظمة الشمسية ذات الكفاءة العالية.
خلاصة: إن صافي القياس ليس مجرد خيار تقني، بل هو أداة لمعالجة خلل هيكلي في العلاقة بين إنتاج الطاقة واستهلاكها. ومع اتساع استخدام الطاقة الشمسية في المملكة، فإن تعظيم الاستفادة من هذا النظام يمثل خطوة ضرورية لتحقيق كفاءة أعلى، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
** **
عضو مجلس إدارة جائزة الجميح للتفوق العلمي وحفظ القرآن الكريم - أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا - عضو التدريس (المتعاون) بجامعة الأمير سلطان