هذه الزيارة الأولى لي لمجمع الإمام البخاري في ضواحي سمرقند، وقد شعرت بالرهبة وأنا في حضرة الإمام الذي طالما تكرر اسمه على ألسنتنا بقولنا: (رواه البخاري)، بعد الأحاديث التي صححها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
كنت أظن أنني ذاهب إلى موضع تاريخي فحسب، إلى بناء جميل تحيط به الحدائق والقباب والزخارف، غير أنني ما إن اقتربت من المكان حتى أدركت أن الزيارة ليست إلى حجر ولا رخام، بل إلى معنى عميق في تاريخ الأمة، وإلى ضمير علمي نادر، وإلى رجل جعل من عمره جسراً بين النبوة والناس، ومن رحلاته الطويلة مصابيح لا تنطفئ.
دخلت المكان وفي قلبي شيء يشبه الخشوع. كان الهواء ساكناً كأنه يحفظ السر، وكانت سمرقند، تلك المدينة التي مرت عليها قوافل العلم والتجارة والفتوح والحضارة، تفتح لي باباً من أبواب الذاكرة.
هناك، في ضواحيها، يرقد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، ذلك الغريب القريب، الغريب لأنه جاء من قرون بعيدة، والقريب لأن اسمه لا يزال يعيش في مجالس العلم، وعلى منابر الجمعة، وفي كتب الفقه، وفي قلوب الملايين.
كلما سمعت حديثاً شريفاً يقال بعده (متفق عليه) أو (رواه البخاري)، كنت استشعر جلال السند، لكنني لم أكن قد وقفت من قبل أمام المعنى الإنسان لهذا الاسم: طفل يتيم، وشاب رحّال، وعالم صارم، وقلب متعبد، وعقل دقيق، وروح لا ترضى أن تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما غلب على ظنها أنه الحق الصافي.
في حضرة الإمام البخاري لا يستطيع المرء أن يكون زائراً عابراً. إن المكان يستدعيك إلى محاكمة نفسك: ماذا فعلت بوقتك؟ ماذا صنعت بعلمك؟ ما مقدار الصدق في طلبك؟ كيف يكون الإنسان وفياً للحقيقة حتى لو كلّفه ذلك تعب الرحلة، وغربة الطريق، وقسوة الخصوم، ووحدة النهاية؟
كنت أقرأ سيرته وأنا أمشي بين أروقة المجمع، فإذا بالسيرة تتحول من صفحات في كتب التراجم إلى نبض حاضر، وإذا بحياته لا تبدو حكاية بعيدة، بل درساً مفتوحاً في معنى أن يجعل الإنسان لنفسه قضية كبرى، وأن يخدم دينه بعقل منضبط وقلب محترق.
الفصل الأول: بخاري، المهد الأول وجرح اليتم
ولد الإمام البخاري في بخارى سنة أربع وتسعين ومئة للهجرة، في مدينة كانت يومئذ من حواضر ما وراء النهر، ومنارات العلم والتجارة والثقافة. واسمه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري. حين أقف في سمرقند عند خاتمة رحلته، أجدني أعود بخيالي إلى بخارى، إلى البداية الأولى، إلى بيت فيه أم صالحة، وأب محب للعلم، وطفل لم يكن يعرف أن الله يخبئ له شأناً عظيماً في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدخر له عز وجل مستقبلاً حافلاً وذكراً باقياً في قلوب المسلمين.
لم يكد الإمام يفتح عينيه على الدنيا حتى ذاق مرارة الفقد، فقد توفي أبوه وهو صغير، فصار اليتم جزءاً من تكوينه المبكر. واليتيم، حين يتلقاه الله بلطفه، قد يخرج من حرمانه بقوة عجيبة! كأن الفراغ الذي يتركه الأب يتحول إلى مساحة للجد، وكأن الدموع الأولى تصبح ماءً لشجرة الصبر. كانت أمه تقوم عليه، تحفظه وترعاه، وتغرس في روحه حب الصلاح. وتذكر كتب التراجم قصة ذهاب بصره في صغره، ودعاء أمه له حتى رد الله عليه بصره، سواء وقف القارئ عند تفاصيل الرواية أو عند معناها، فإنه لا يستطيع أن يتجاوز صورة الأم التي تحمل طفلها إلى الله بالدعاء، ولا صورة الطفل الذي سيجعل الله بصره بعد ذلك خادماً لبصيرة الأمة.
ما أعجب أن تبدأ حياة رجل من العمى أو شبه العمى، ثم يصبح هو نفسه عيناً ناقدة في تاريخ الرواية وبصيراً في دقائق الجرح والتعديل! كأن القدر أراد أن يقول إن البصر الحقيقي ليس نظر العين وحدها، بل نفاذ القلب والعقل إلى مواضع الصدق.
لقد نشأ البخاري في بيئة تعرف قدر العلم، وكان مبكر النباهة، شديد الحفظ، حاضر الذهن، يميل منذ صباه إلى مجالس الحديث. وفي ذلك الميل سر من أسرار العظماء؛ إذ لا يكتشف الإنسان رسالته فجأة في آخر العمر، بل كثيراً ما تهمس به الرسالة في طفولته همساً خفيفاً، ثم تكبر معه حتى تستولي على كيانه كله.
كنت أتأمل ذلك وأنا في سمرقند، وأسأل نفسي: كيف لطفل في بخارى أن يحمل كل هذا المستقبل؟ كيف لقلب صغير أن يتسع منذ بداياته لصوت النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن العظمة هنا لا تبدأ بالشهرة، بل تبدأ بإصغاء داخلي.
لقد تعلق البخاري بالحديث النبوي لا بوصفه مادة علمية جامدة، بل بوصفه ميراث النبوة، والطريق إلى فهم الهدي، والاقتراب من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله وتقريره.
ومن هنا بدأت الرحلة، رحلة لم تكن انتقالاً في الجغرافيا فقط، بل صعوداً في مراتب الصدق.
الفصل الثاني: صبي الحديث وبدايات النبوغ
كان البخاري رحمه الله في صغره آية في الحفظ والذكاء. حفظ القرآن، ثم اتجه إلى الحديث، فحفظ المتون والأسانيد، وأخذ يميز بين الرواة، ويستدرك على بعض الشيوخ وهو لا يزال في عمر مبكر.
لم يكن ذلك جرأة فارغة، بل موهبة مؤيدة بالتحصيل، ودقة لا تعرف التهاون. وقد عُرف عنه أنه كان يصحح للعلماء أخطاءهم في الأسانيد وهو فتى، فينظرون إليه بدهشة؛ فليس الأمر أن صبياً يحفظ أسماء الرجال، بل إن عقلاً فذاً متقداً بدأ يفهم نظام الرواية، وشبكة النقل، وطبقات الشيوخ والتلاميذ، وعلل الأسانيد التي لا يتنبه لها إلا أهل الرسوخ.
في ذلك الزمن لم يكن الحديث النبوي يُؤخذ من كتاب مطبوع، ولا من مكتبة رقمية، ولا من بحث سريع في فهرس إلكتروني، ولا من نصه ذكاء اصطناعي مصطنع.
كان الحديث حياة كاملة: رحلةً إلى شيخ، لكداً لبطون المطايا، ومتابعة الليل بالنهار، ومكابدة وعثاء السفر، وسماع في مجلس، ومقابلة نسخ، ومراجعة، ومذاكرة، وامتحان للحفظ، وسؤال عن الراوي:
من هو؟ أين سمع؟ ممن أخذ؟ هل لقي شيخه؟ هل ضبط ما روى؟ هل خالف الثقات؟ أكان مستقيم الدين؟ أكان صادق اللهجة؟
إن علم الحديث كما تجلى في حياة البخاري كان مشروعاً حضارياً لضبط الذاكرة، وحراسة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الوهم والوضع والكذب والغفلة.
وهنا شعرت، وأنا أقرأ سيرته في ظل مجمعه، وعلى هامش المؤتمر الأول للإمام البخاري في مجمعه في سمرقند، وقد فرغ للتو إمام الحرم معالي الشيخ صالح بن حمد من كلمة خرجت من شغاف القلب وروح مكة وطمأنينة المدينة، وأنا في هذه اللحظات أستمع إلى كلمة الدكتور سالم المالك المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، وهي كلمة فاخرة بحق، ترتقي بسموها إلى سمو المُحتفى به، وبمحتواها ولغتها إلى أصالة وفخامة القرون الأولى. وقد أدركت أن البخاري لم يكن مجرد حافظ كبير، بل كان صاحب منهج. والحافظ قد يكدس المعلومات، أما صاحب المنهج فيعرف كيف ينتخب، وكيف يمتحن، وكيف يتوقف، وكيف يقول: هذا صحيح، وهذا ليس على شرطي، وهذا يحتاج إلى نظر.
لقد وُلد في البخاري مبكراً حب الجمع بين الحفظ والنقد، بين العاطفة النبوية والصرامة العلمية. وهذا درس بالغ الأهمية، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست اندفاعاً بلا تحقق، بل إن من أعظم صور المحبة أن نحمي سنته من الدخيل، وأن نوقر كلامه فلا ننسب إليه إلا ما ثبت.
وأنا، الزائر القادم بعد أكثر من ألف عام، كنت أشعر بالخجل الجميل. كم من كلمة ننطقها بلا تثبت، وكم من خبر ننشره بلا سؤال، وكم من ظن نجعله حقيقة! ثم أقف أمام رجل أفنى عمره ليعلمنا أن الصدق مسؤولية، وأن الرواية أمانة، وأن الكلمة حين تتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم تصير أثقل من الجبال.
الفصل الثالث: الرحلة إلى الحجاز وولادة الطالب الرحّال
حين بلغ البخاري مرحلة الشباب، خرج مع أمه وأخيه إلى الحج. كانت تلك الرحلة مفصلاً كبيراً في حياته، فالبيت الحرام لم يكن نهاية السفر، بل بداية أوسع له. أتم النسك، ثم بقي في مكة يطلب العلم، يكتب ويسمع، ويتلقى عن الشيوخ، وينفتح على عالم الحديث في مهبطه الأول. هناك، في الحجاز، حيث نزل الوحي ومشى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، كان قلب البخاري يزداد تعلقاً بالميراث النبوي، وكان عقله يزداد رغبة في جمع الصحيح وتمييزه.
أتخيل ذلك الشاب القادم من بخارى، وقد عبر المسافات الشاسعة، وترك مألوف أهله وبلده، ليجلس في حلقات العلم في مكة والمدينة. لم تكن الرحلة يسيرة، ولا الطريق آمناً دائماً، ولا النفقة مضمونة، ولا الجسد قادراً في كل حين على احتمال الحر والبرد والجوع والتعب، ومع ذلك كان طالب الحديث يخرج لأنه يعلم أن الشيخ قد يكون في بلد بعيد، وأن حديثاً واحداً قد لا يُنال إلا بسفر طويل.
لقد كانت المسافة جزءاً من قيمة العلم، فالذي يتعب في طلبه يعرف قدره، والذي يبيت الليالي في الطريق من أجل سماع حديث، لا يتعامل مع العلم كزينة اجتماعية، بل كميثاق روحي.
في الحجاز بدأت ملامح البخاري العلمية تتسع. لم يعد ابن بخارى وحدها، بل صار ابن الأمة كلها. أخذ من المكيين والمدنيين، ثم وسع رحلاته إلى العراق والشام ومصر وخراسان وغيرها من حواضر العلم.
كانت المدن في سيرته ليست أسماء جغرافية فحسب، بل محطات في صناعة الإمام.
مكة تمنحه هيبة البداية والمدينة تمنحه عبق القرب من السنة
وبغداد تفتح له باب المناظرة والاختبار والبصرة والكوفة تكشفان له كثافة الرواية وتعدد المدارس
ودمشق ومصر ومرو ونيسابور وسائر الأمصار تمده برجال وأسانيد وتجارب.
هنا أدركت أن (صحيح البخاري) لم يولد في غرفة مغلقة، بل ولد من غبار الطرق، ووعثاء الترحال، ومن ازدحام المجالس، ومن صبر الليالي، ومن آلاف اللقاءات. كل حديث فيه وراء رحلة، ووراء كل إسناد رجال، ووراء كل اختيار عقل يسأل ويتثبت. إن الكتاب الذي نقرأه اليوم في هدوء، كان في أصله ثمرة قلق نبيل، وظمأ لا يهدأ إلى الحقيقة.
الفصل الرابع: بين الشيوخ والمدن، صناعة الإمام
تلقى الإمام البخاري عن عدد كبير من العلماء، حتى صار هو نفسه إماماً يُرحل إليه. ومن أشهر من أخذ عنهم علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة هذا الشأن.
وليس ذكر الأسماء هنا مجرد تزيين تاريخي، فكل واحد من هؤلاء كان مدرسة في الحفظ والنقد والفقه والورع.
والبخاري لم يكن طالباً سلبياً يجمع ما يسمع ثم يمضي، بل كان عقلاً متوقداً يتفاعل مع الشيوخ، ويناقش، ويقارن، ويمتحن الروايات، حتى شهد له أهل عصره بالتقدم.
وحين بلغ بغداد، امتحنه أهلها بقلب الأسانيد والمتون، فأجابهم بما أظهر قوة حفظه ودقة علمه. هذه القصة، بما تحمله من شهرة في كتب التراجم، تكشف طبيعة العصر العلمي الذي عاش فيه: العلم لا يقوم على الدعوى، والصدارة لا تمنحها المجاملات، بل يثبتها الامتحان.
كان العالم يُسأل أمام الناس، ويُختبر حفظه، وتُقاس قدرته على رد الحديث إلى إسناده ومتنه. وفي مثل هذه المواقف ظهرت شخصية البخاري: هدوء، وثقة، واستحضار واسع، وقدرة على ترتيب المعرفة في قلبه كأنه مكتبة حية.
لكن أكثر ما شدني في سيرته أنه جمع بين النجابة والعبادة. لم يكن العلم عنده انفصالاً عن التقوى، ولا النقد العلمي قسوة في الروح، ولا الحفظ مدعاة للكبر.
كان رحمه الله يقوم الليل، ويتورع، ويتحرى في رزقه، ويعظم شأن الحديث. وتذكر الأخبار أنه كان لا يضع حديثاً في كتابه الصحيح إلا بعد استخارة وصلاة، وهذا المعنى، وإن اختلفت تفاصيل الروايات حول كيفيته، يدل على حقيقة كبرى: أن عمله العلمي كان عنده عبادة.
كان يشعر أنه لا يؤلف كتاباً عادياً، بل يقترب من مقام شديد الخطر: مقام القول إن هذا مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنا في رحاب مجمعه، كنت أرى في ذلك درساً لأهل العلم في كل زمان. لا يكفي أن يكون الباحث ذكياً، لابد أن يكون أميناً.
ولا يكفي أن يكون واسع الاطلاع، لابد أن يكون متواضعاً أمام الحقيقة. ولا يكفي أن يغلب خصمه في الجدل، ولابد أن يغلب نفسه في الهوى.
لقد صنع البخاري مجده لأنه لم يجعل العلم سلماً إلى الجاه، بل جعله طريقاً إلى الله، وخدمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ونفعاً للأمة.
الفصل الخامس: الصحيح، كنز الأمة وميزان الصرامة
أما (الجامع الصحيح)، الذي اشتهر بين الناس باسم (صحيح البخاري)، فهو ذروة مشروع الإمام وخلوده العلمي.
لم يكن أول كتاب في الحديث، ولا كان وحده في ميدان الرواية، لكنه بلغ منزلة استثنائية لما امتاز به من دقة الشرط، وحسن التبويب، وعمق الفقه، وقوة الانتقاء.
لقد أراد البخاري أن يجمع مختصراً من الحديث الصحيح المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختار من بحر واسع ما رآه مستوفياً لشروطه، حتى صار كتابه عند جمهور أهل السنة أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.
حين يقرأ المرء (صحيح البخاري) قراءة عابرة قد يظن أنه كتاب أحاديث مرتبة في أبواب، لكنه حين يتأمل يدرك أنه عقل فقهي كامل.
تراجم الأبواب عند البخاري ليست عناوين محايدة دائماً، بل مفاتيح فهم، وإشارات دقيقة، واستنباطات خفية. أحياناً يورد الحديث في مواضع متعددة، لا تكراراً محضاً، بل لاختلاف وجه الاستدلال، لاختلاف طريق الرواية، أو لإبراز معنى فقهي أو تربوي.
وهنا يتبين أن الإمام البخاري لم يكن ناقلاً فقط، بل فقيهاً محدثاً، وأن كتابه ليس خزانة نصوص فحسب، بل بناء معرفي متماسك.
ولعل أكثر ما يهز القلب أن هذا الكتاب جاء نتيجة عمر طويل من التنقل والسماع والاختيار. قيل إنه انتقاه من مئات الآلاف من الأحاديث والطرق، واشتغل به سنين طويلة، يعرض ويهذب وينقح.
وسواء وقفنا عند الأرقام التي تذكرنا كتب التراجم على سبيل الدلالة على سعة حفظه، فإن الثابت أن الإمام البخاري بذل جهداً خارقاً في الجمع والتمييز.
إن (صحيح البخاري) ليس ورقاً، بل عمر. ليس أبواباً وفصولاً فقط، بل ليالٍ من السهر، وأيام من السفر، ومجالس من السماع، ودموع من الدعاء، وخوف من الزلل.
وهنا، في حضرة الإمام، شعرت أنني أمام كنز لا يشبه الكنوز. فالذهب قد يلمع ثم يفنى أثره، والقصور قد تعلو ثم تنهار، أما كلمة النبي صلى الله عليه وسلم إذا حُفظت بحق، فإنها تبقى حياة للضمائر.
لقد خدم البخاري الأمة بأن جعل بينها وبين السنة باباً موثوقاً، لا يلغي اجتهاد العلماء من بعده، ولا يغلق باب النقد العلمي، لكنه وضع معياراً عالياً للأمانة والدقة.
وهذا هو مجده الحقيقي: أنه لم يطلب أن يحبه الناس لشخصه، بل أحبوا شخصه لأنه دلهم على سنة نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام وقد أدى الإمام البخاري رحمه الله الأمانة بجهد عظيم وقلب صدوق. فجزاه الله عن الأمة خير الجزاء وأتمه.
الفصل السادس: المحنة، ومرارة العالم إذا أوذي
لم تكن حياة البخاري كلها احتفاءً وتكريماً. فالعظماء كثيراً ما يذوقون مرارة سوء الفهم، وغيرة الأقران، وتقلب السياسة، وضيق الصدور بالاستقلال العلمي. وقد تعرض رحمه الله في أواخر حياته لمحن وخلافات، لاسيما في نيسابور ثم في بخارى، حين تشابكت مسائل العلم بمواقف الناس والسلطان.
ومن أشهر ما يذكر في سيرته - وقد أشار إليه فيلم قصير رائع أعدته منظمة الإيسيسكو على هامش مؤتمر الإمام البخاري الدولي الأول في مجمعه في سمرقند - أن أمير بخارى طلب منه أن يأتيه ليقرأ عليه وعلى أولاده، فأبى أن يذل العلم على أبواب الأمراء، وقال بما معناه إن العلم يؤتى ولا يأتي. لم يكن ذلك كبراً، بل تقديراً لحديث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وصيانة لهيبة المعرفة، وإدراكاً أن العالم إذا جعل علمه تابعاً للرغبات ضاعت رسالته.
كم توقفت عند هذه الحادثة وأنا أمشي في المجمع. إن البخاري الذي رحل إلى الشيوخ في الأمصار لم يكن يأنف من طلب العلم، لكنه كان يأنف من إهانته. كان يعرف الفرق بين تواضع الطالب للعلم، وبين إذلال العالم للسلطة.
ومن هنا تبدو سيرته اجتماعية بقدر ما هي علمية، فهي تعلمنا أن العلم ليس معلومات محايدة في فراغ، بل موقف أخلاقي.
العالم الحق قد يدفع ثمن استقلاله عزلة أو تشويهاً أو إخراجاً من بلده، لكنه إذا حافظ على كرامة العلم فقد انتصر ولو بدا وحيداً.
عاد البخاري في أواخر حياته مثقلاً بالخصومات، وخرج من بخارى، ثم انتهى به المطاف إلى قرية خرتنك قرب سمرقند حيث أكتبُ هذه الكليمات. كأن الرحلة الطويلة التي بدأت من بخارى عادت إلى تخوم ما وراء النهر، لا عودة المنتصر في مواكب الملوك، بل عودة العبد الصالح إلى الله، بعد أن أدى ما استطاع من أمانة.
لا أستطيع أن أقرأ خاتمة حياته دون أشعر بغصة. هذا الإمام الذي ملأ الدنيا علماً، والذي صار اسمه بعد موته علماً على الصحة والثقة، وجد في آخر أيامه من الوحشة ما يجده كل صادق حين تضيق به الدنيا. لكن التاريخ، على عادته العادلة في المدى الطويل، لم يحفظ أسماء كثير ممن آذوه إلا في هامش قصته، وحفظ اسمه في صدر الأمة.
بقي البخاري، وذهب الذين ضايقوه.
بقي الصحيح، وتلاشت الخصومات.
بقيت الرحلة، وصار المنفى الأخير مزاراً.
وهذا من أعجب دروس الحياة: أن ميزان اللحظة قد يظلم، لكن ميزان الحق لا يضيع.
الفصل السابع: سمرقند الخاتمة التي صارت بداية
توفي الإمام البخاري رحمه الله سنة ست وخمسين ومئتين للهجرة، قريباً من سمرقند، ودفن في خرتنك. وأنا أقف على بعد خطوات من مسجد الإمام البخاري وقبره في ضواحي سمرقند، كنت أشعر أن المكان لا يمثل نهاية رجل، بل بداية حضوره الرمزي في ضمير الأمة.
الموت هنا ليس انطفاءً، بل انتقال من تعب الجسد إلى خلود الأثر. لقد سكت صوت البخاري في الدنيا، لكن كتابه ظل يتكلم.
توقفت رحلاته، لكن طلاب العلم ظلوا يرحلون إلى آثاره. غاب جسده في تراب ما وراء النهر، لكن اسمه صار حاضراً في كل بلد وصلته السنة.
مجمع الإمام البخاري اليوم، بما فيه من عمارة وجلال وهدوء، يمنح الزائر فرصة نادرة للمراجعة. ليس المطلوب أن يكتفي المرء بالتقاط الصور، ولا أن يمر سريعاً بين القاعات، بل أن يسأل: ما معنى أن يكون الإنسان صاحب رسالة؟ وما معنى أن ينذر عمره لعمل واحد حتى يتقنه؟ ما معنى أن يكون وفياً للنبي صلى الله عليه وسلم لا بالشعارات وحدها، بل بالتحقيق والصبر والورع؟ لقد وجدت في زيارة الإمام البخاري لقاءً بين العاطفة والعقل، فالقلب يخشع لمقامه، والعقل يزداد لمنهجه، والروح تتعلم أن خدمة الدين ليست ادعاءً، بل احتمال طويل للمشقة.
سمرقند مدينة عريقة، غير أن قبر البخاري يمنحها معنى آخر.
إنها لا تحتفظ هنا بعالم من علماء الحديث فحسب، بل تحتفظ بشاهد على أن أطراف العالم الإسلامي كانت مراكز إشعاع لا هوامش بعيدة.
من بخارى وسمرقند خرج من خدم العربية والحديث والفقه والتفسير، مع أن ألسنتهم الأولى وبيئاتهم لم تكن كلها عربية.
وفي هذا درس حضاري بليغ أن الإسلام حين دخل القلوب صنع أمة علمية تتجاوز العرق واللغة والجغرافيا، وأن حب النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الحجاز وما وراء النهر، بين المدينة وبخارى، بين الوحي والذاكرة.
خاتمة: أمام الإمام، أمام نفسي
خرجت من مجمعة الإمام البخاري ولم أخرج منه تماماً. بقي شيء من السكينة عالقاً في قلبي، وبقي اسمه يتردد في داخلي لا كما كنت أسمعه من قبل.
لم يعد (رواه البخاري) عبارة مألوفة تمر على السمع، بل صارت وراءها صورة طفل يتيم في بخارى،
وأم تدعو، وشاب يشد الرحال،
وعالم يمتحن الرجال والأسانيد،
ومؤلف يصلي ويستخير،
وغريب يموت قرب سمرقند،
ثم ينهض أثره بعد موته كأنه لم يمت.
لقد علمتني هذه الزيارة أن العلماء الكبار ليسوا تماثيل من نور، بل بشر من لحم ودم، عرفوا التعب والجوع والغربة والخصومة والمرض، لكنهم امتازوا بأنهم لم يسمحوا لهذه الآلام أن تصرفهم عن مقاصدهم الكبرى.
كان البخاري رحمه الله قادراً أن يعيش حياة أهدأ، وأن يكتفي بقدر يسير من العلم، وأن يلزم بلدته، وأن يرضى بمكانة قريبة.
لكنه اختار الطريق الأصعب لأن الحديث النبوي في قلبه كان أعظم من راحته، ولأن الأمانة عنده كانت أثقل من المسافة.
وفي حضرته أدركت أن الأمة لا تبنى بالمشاعر وحدها، ولا بالعقول وحدها، بل بهما معاً حين يجتمعان على الصدق. فالعاطفة بلا علم قد تضل، والعلم بلا قلب قد يجف، أما البخاري فقد جمع بين حرارة المحبة وبرودة المنهج، بين دمعة المتعبد ودقة الناقد، بين شوق الذاهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر الأثر، وحزم الحارس الذي لا يفتح الباب لكل مدعٍ.
غادرت المكان وأنا أقول في نفسي: رحمك الله يا أبا عبدالله. ما أبعد زمنك، وما أقرب أثرك. ما أطول رحلتك، وما أخصب ثمرتها.
جئت إلى سمرقند زائراً، فوجدتني طالباً صغيراً في مجلسك الكبير. جئت أبحث عن تاريخك، فوجدت تاريخي أنا، تاريخ أمةٍ مدينة لأمثالك، وتاريخ قلب يحتاج أن يتعلم منك الصبر والتثبت والإخلاص. وها أنا أعود من حضرتك أحمل درساً لا يغادرني: أن العمر، مهما قصر، يمكن أن يصير خالداً إذا وُضع في خدمة الحق، وأن الإنسان حين يصدق مع الله في عمله، قد يجعل الله لاسمه حياة لا تبلغها أعمار الأجساد.
** **
عبدالله بن إبراهيم الرخيص - مجمع الإمام البخاري - سمرقند
عضو مجلس التنمية الدولية في جامعة هارفارد - عضو مجلس إدارة مؤسس لمركز ليجاتوم في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT - عضو مجلس إدارة مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع موهبة - عضو مجلس إدارة مركز اليونسكو للجودة والتميز في التعليم - عضو المجلس الاستشاري الدولي في جامعة أكسفورد - رئيس مجلس إدارة معهد المدينة للسياسات - عضو مجلس إدارة معهد الإدارة العامة سابقاً - زميل تشاتام هاوس وبروكينغز وراند واسبن -