علي سفّان
هذه الأرض لم تكن يوماً هامشًا تاريخيًا، بل كانت ممتدة، منتجة للحضارة والأصالة والتجارة والسياسة واللغة.
كالنَّخْلِ تَشْمَخُ أمْجَادي وتَنْتَصِبُ
في الأرْضِ رُسِّخَ تَاريخي بِما ذَهَبُوا
اقْرَأ بِعَقْلِكَ أسْفاري بِدُونِ هَوىً
أسْفارُ مَجْدي تُرى، فاضَتْ بِها الخُطَبُ
كَمْ كُنّا نُرقِمُ، والتَّاريخُ دَوَّنَنا
في كُلِّ سِفْرٍ لَنَا الأَمْجَادُ والرُّتَبُ
أبْحِرْ إذا شِئْتَ في تَاريخي وَاقْرَأَهُ
وانظُرْ إلى الشّمسِ هَلْ في نُورِها حُجُبُ
يَمتَدُّ نَسْلي، وفي الآفاقِ مُتَّسَعٌ
في الأرضِ جَذرٌ، وفَخْرٌ في العُلا، شُهُبُ
أحْفَادُ أصْلٍ، مِنَ الأجْدَادِ نَحْفَظُهُ
مُذْ حَطَّ آدمُ فَوقَ الأَرْضِ فانْتَسَبوا
عَدْنانُ آصِرَةٌ في أصْلِنا ولنَا
مُذْ كانَ إبراهيمْ، جَدٌ لنا، وأَبُ
في الأرْضِ جِذْري، وفي الألْواحِ والصُّحُفِ
قالَ الرُّواةُ بِنا، مُذْ عَدُّوا أوْ نَسَبُوا
هَذي حَضَارَتي مِنْ «تَثْلِيثَ»(1) قَدْ سُطِرَتْ
«تاروتُ»(2) تَشْهَدُ إنْ طَالعْتَ ما كَتَبُوا
اذْهَبْ إلى «الفاوِ»(3) وانْظُرْ «كِنْدَةَ»(4) العَرَبِ
قَوْمٌ نَما عُرْفُهُمْ، بالْعِزِّ قدْ خَصِبوا
«دادانَ»(5) فانظُرْ و «لِحْيانَ»(6) ومَرْكَزُهُمْ
بَيْنَ المَدائِنِ كَمْ تاريخُهمْ رَحِبُ
تَزْهُو «مدائنُ حِجْرٍ»(7) في أوابِدِها
«دَرْبُ البَخورِ»(8) شَذىً، في سِفْرِهِ العَجَبُ
في «دَوْمَةِ الْجَّندلِ»(9) الغَنَّاءِ مَنزِلَةٌ
حِصْنُ الفَوَارِسِ في ظِلٍّ إذا تَعِبُوا
«قَيْدارُ» «نابِتُ»(10) أحقاباً لنا ذُكِروا
عُظْمَى المَمَالِكِ في سُلْطانِهِمْ نَصَبُوا
حتّى حَرَائِرُنا، سادَتْ لهُنَّ «حِمَاً»(11)
وامْتدَّ ذِكْرُهُمُ، بالعِزِّ يَنْتَصِبُ
اللهُ أكرَمَ هَذِي الأرْضَ، شَرَّفَهَا
بِالوَحْيِ، مِنْها اصْطَفى.. هَلْ دُونَما سَبَبُ!
أرْسَى «بِبَكّةَ»(12) بَيْتَ اللهِ، في وَطَني
حَتَّى غَدَتْ «قِبْلَةَ» العُبَّادِ مَنْ (لَغَبُوا) (13)
واخْتَارَ مِنّا رَسُولَ الحَقِّ مُبتَعَثَاً
حَتّى تَنَزَّلَ في آفَاقِنَا سُحُبُ
دينُ الهُدى لَهُمُ، بيْضاءُ رايَتُهُمْ
بيضُ القُلوبِ، هُمُ الإخْلاصٌ ما ذَهَبُوا
أزْرٌ هُمُ، «كالْعَارضِ»(14) الأَبَدِيِّ
مازالَ ذِكْرُهُمُ، بِالمَجْدِ يُحْتَسَبُ
أُنْظُرْ إلى «العَوْجَا»(15) تارِيخَ أَجْدَادِي
ذَاكَ «الطُّرَيْفُ»(16) و»سَلْوَى القَصْرِ»(17) ما حُجِبوا
نَحْنُ الرُّجُولَةُ والعَاداتِ مُذْ خُلِقَتْ
تِلْكَ الفَضَائِلُ فِينَا، أَصْلُهَا الأدَبُ
هَذِي شَمَائِلُنَا، تَمْتَدُّ مَا انْقَطَعَتْ
نُعْطِي بِلا وَطَرٍ، إحسَانُنَا خَضِبُ
نَحْنُ العَطَاءُ، ونَحْنُ الغَيْثُ والمَطَرُ
بِيضُ الأَكُفِّ هُنا، لا مَنُّ، لا عَتَبُ
أَهْلُ الفَضِيْلَةِ في فِعْلٍ وفي خُلُقٍ
أَهْلُ «الحَمِيَّةِ»، والأَفْضَالِ مُذْ دَأبُوا
أَهْلُ المُرُوءَةِ إِنْ قَالُوا وإِنْ فَعَلُوا
لا يَنْكَثُوا العَهْدَ لَوْ خَانَتْهُمُ الرُّتَبُ
أَرْضُ الجَزيرَةِ دِيوَانٌ ومَضْيَفَةٌ
صَدْرُ المَجالِسِ في دِيوَانِهِمْ رَحِبُ
قَوْمٌ إِذا دَعَتِ الهَيْجَاءُ نَخْوَتَهُمْ
هَبَوا خِفَافاً إذا ما هَبَّتِ النُّوَبُ
شَبُّوا خِفَافَاً، زَرَافَاتٍ وَوِحْدَانَا
هُمْم في الصَّدَارةِ في الهَيْجَاءِ، ما انْسَحَبُوا
كانُوا الجِبَالَ، رَواسنْ في عَرينِهُمُ
بالحقِّ سَارُوا، وبالأَوْطَانِ قد وَثَبُوا
يَسْقُونَ أَرْضَ بِلادِ الخَيْرِ مِنْ دَمِهمْ
والرُّوحُ تَرْخُصُ عِنْدَ المَوْتِ ما ارْتَعَبُوا
في كُلَّ نازِلَةٍ، في كُلِّ قَارِعَةٍ
عَانُوا، تَحَدُّوا، أشَادُوا كُلَّ مَا رَغِبُوا
صَبْرٌ تجاوزَ أَيُّوبً إِذَا ذُكِرُوا
مَا أَمْسَكُوا كَرَمَاً في الجُودِ أَوْ حَجَبُوا
بُنْيَانَ مَجْدٍ بَنُوا، دِرْعِيَةٌ شَمَخَتْ
بَيْنَ المَدَائِنِ صَارَتْ لِلعُلا، سَبَبُ
هَا نَحْنُ كُنّا، وأصْبَحْنا وصِرْنَا هُدًى
نَحْنُ الهَوِيَّةُ والإِنْسَانُ والحِقَبُ (18)
الهوامش:
(1) - منطقة تثليث، جنوب غرب الجزيرة العربية (ضمن منطقة عسير حاليًا). تعد حلقة وصل بين نجد وعسير وطرق الجنوب، مما جعلها ممرًا للقوافل والتبادل التجاري منذ عصور قديمة. ومن أبرز مواقعها التاريخية هي «حضارة المقر»، والتي تُعد من أقدم وأهم الحضارات البشرية في شبه الجزيرة العربية، يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث (نحو 9000 سنة قبل الميلاد).
(2) - تمثل حضارة تاروت أحد أقدم المراكز الحضارية الممتدة لأكثر من 5,000 عام في جزيرة تاروت بالمنطقة الشرقية. ارتبطت الجزيرة ارتباطاً وثيقاً بحضارات بلاد الرافدين ودلمون، واشتهرت تاريخياً بكونها مرفأً بحرياً استراتيجياً وملتقى لطرق التجارة العالمية القديمة.
(4-3) - الممالك العربية وسط المملكة العربية السعودية، القرنين الرابع والسادس ق.م.
(6-5) - مملكتان عربيتان - العلا.
(7) - مدائن صالح.
(8) - يربط شمال المملكة بجنوبها، ساهم بازدهار مدن (الفاو والعلا).
(9) - في منطقة الجوف - محطة تجارية وعسكرية مهمة للتجارة والحروب.
(10) - مملكة قيدار العربية/ دومة الجندل.
(11) - «ملكاتِ العريبي» أو ملكات العرب (زبيبة، شمسي، يثيعة، تلهونة) مجموعة من الحاكمات القويات اللواتي حكمن قبائل وممالك عربية في شمال شبه الجزيرة العربية، وتحديداً في منطقة دومة الجندل (أدوماتو) وتيماء وشمال صحراء النفود، عندما كانت قيدار اتحاداً قبلياً عربياً قوياً خلال فترة العصر الآشوري الحديث (القرن الثامن والسابع قبل الميلاد)، اتخذت من شمال الجزيرة العربية (دومة الجندل) مركزاً لها، وامتد نفوذها إلى أطراف الشام. وحكمن مملكة قيدار وقاومن التوسع الآشوري.
(12) - مكة المكرمة.
(13) - تعب، قنوط، إعياء.
(14) - سلسلة جبال طويق كحضنٍ تطوق الرياض.
(15) - الدرعية وقصرها.
(16) - المركز السياسي للدولة السعودية الأولى.
(17) - قصر الحكم للدولة السعودية الأولى.
(18) - المدة الزمنية الممتدة التي لا وقت محدد لها من الدهر.
** **
- كاتب وشاعر وفنان تشكيلي