سعدون مطلق السوارج
ليست كل السفن التي تعبر البحار مجرد هياكل تحمل شحنات من الطاقة أو التجارة؛ فبعض السفن يحمل في مساره دلالة تتجاوز حمولته، لأنه يرتبط بحركة الاقتصاد العالمي وبالثقة التي تقوم عليها العلاقات بين الأمم. ولهذا فإن استهداف ناقلة تجارية أثناء عبورها أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة أمنية محدودة، بل باعتباره مساسًا بأحد المبادئ التي قامت عليها حركة التجارة الدولية: أن تبقى البحار والممرات الحيوية فضاءً آمنًا للعبور والتبادل.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تحكمه الجغرافيا، بل هو شريان استراتيجي تتقاطع عنده مصالح العالم، وتعتمد عليه حركة واسعة من إمدادات الطاقة والتجارة. وعندما تمتد التهديدات إلى هذا الشريان، فإن آثارها لا تبقى محصورة في حدود المنطقة، بل تمتد إلى الأسواق العالمية، لأن أمن الطاقة وحرية الملاحة أصبحا جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الدولي.
«حين تُستهدف السفن التجارية، فإن الخطر لا يصيب سفينةً تعبر البحر فحسب، بل يصيب الثقة التي تجعل العالم قادرًا على الحركة».
من هنا تأتي خطورة الاعتداءات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت الناقلة السعودية «وديان» أثناء عبورها مضيق هرمز، إلى جانب استهداف الناقلة القطرية «الركيات»، بالتزامن مع الاعتداءات التي تعرضت لها دولة الكويت ومملكة البحرين. فهذه الأحداث لا يمكن قراءتها باعتبارها وقائع منفصلة، بل ضمن سياق أوسع يمس أمن الخليج وسيادة دوله وسلامة الملاحة الدولية.
لقد جاء الموقف السعودي واضحًا وحازمًا؛ إذ دانت المملكة العربية السعودية هذه الاعتداءات بأشد العبارات، مؤكدة أنها تمثل انتهاكًا للقانون الدولي والأعراف الدولية، وتهديدًا لأمن الملاحة البحرية وسلامة إمدادات الطاقة العالمية، ومشددة على تحميل إيران المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات وتداعياتها.
وهنا تكمن أهمية الموقف السعودي؛ فهو لم ينطلق من زاوية الدفاع عن مصلحة وطنية ضيقة، بل من إدراك أوسع لطبيعة المرحلة. فالمملكة تنظر إلى أمن الخليج باعتباره منظومة مترابطة، وأن ما يمس دولة خليجية شقيقة لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا منفصلًا، لأن أمن المنطقة يقوم على وحدة المصير وترابط المصالح.
«أمن الخليج ليس خطوطًا مرسومة على الخرائط فقط، بل منظومة من الثقة والمسؤولية؛ فإذا اهتز جزء منها، شعر العالم بأثر الاهتزاز».
إن أخطر ما تكشفه هذه الاعتداءات ليس فقط حجم التهديد المباشر للسفن والممرات البحرية، بل محاولة المساس بمفهوم الثقة الذي تقوم عليه حركة الاقتصاد العالمي. فالسفن لا تعبر البحار بالقوة وحدها، بل تعبرها لأن هناك قواعد دولية يفترض أن تحميها، ولأن هناك يقينًا بأن الممرات الحيوية ليست أدوات للصراع السياسي.
والتاريخ يؤكد أن التجارة العالمية لا تزدهر في بيئة يسودها القلق، وأن الاستقرار الاقتصادي يحتاج قبل كل شيء إلى استقرار أمني وسياسي. ولهذا فإن أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز لا يمثل تحديًا لدولة واحدة، بل يمثل تحديًا لمعادلة دولية تعتمد عليها اقتصادات وشعوب في مختلف أنحاء العالم.
«الممرات البحرية لا تُقاس باتساع مياهها، بل بحجم المسؤولية التي تحملها؛ فحين تضطرب طرق التجارة، لا يتأثر المكان وحده، بل يتأثر العالم الذي يعتمد عليها».
ومن هذه الزاوية يمكن فهم طبيعة الأزمة المرتبطة بالسلوك الإيراني؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة بخلافات سياسية عابرة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق حول احترام قواعد حسن الجوار، والالتزام بالقانون الدولي، والقدرة على بناء علاقات مستقرة مع المحيط الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت التجارب السياسية أن الاتفاقات لا تعيش بالنصوص وحدها، بل بالإرادة التي تحميها. فالتفاهمات مهما كانت أهميتها تفقد قيمتها عندما تتكرر الأفعال التي تقوض الثقة وتعيد إنتاج التوتر. ولهذا فإن استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والملاحة الدولية يعمق أزمة الثقة ويجعل أي مسار للتهدئة أمام اختبار حقيقي.
وفي هذا السياق جاءت التصريحات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران، والتي تحدثت عن انتهاء مذكرة التفاهم معها، لتعكس جانبًا من حالة التراجع في الثقة الدولية بالسلوك الإيراني. إلا أن جوهر القضية لا يتعلق بموقف دولة بعينها، بل بحقيقة أكبر: أن المجتمع الدولي لا يستطيع بناء استقرار دائم مع أي طرف لا يثبت التزامه بالقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول.
«الثقة في العلاقات الدولية لا تُمنح بالتصريحات، بل تُبنى بالأفعال؛ وعندما تتكرر الأفعال التي تهدمها، تصبح استعادة الثقة أصعب من توقيع أي اتفاق».
المملكة العربية السعودية... حين تتحول المسؤولية إلى قوة استقرار
في مواجهة هذه التطورات، لا يظهر الدور السعودي باعتباره موقفًا سياسيًا عابرًا مرتبطًا بحادثة محددة، بل باعتباره امتدادًا لرؤية استراتيجية راسخة ترى أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل تهديد سيادة الدول أو تحويل الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط وصراع.
فالمملكة العربية السعودية، بحكم مكانتها الإقليمية والدولية، تدرك أن حماية أمن الخليج لا تعني فقط حماية حدود الدول ومصالحها المباشرة، بل حماية منظومة كاملة من المصالح التي ترتبط بها حركة الاقتصاد العالمي. فسلامة الملاحة، واستقرار الطاقة، وأمن التجارة، كلها عناصر مترابطة في معادلة واحدة عنوانها: الأمن والاستقرار.
ولهذا جاء الموقف السعودي متسقًا مع نهج ثابت يقوم على دعم أمن الأشقاء، ورفض الاعتداءات التي تمس سيادة الدول، والتأكيد على أن أي تهديد لدولة خليجية هو تهديد لمنظومة الخليج بأكملها. فالأمن الإقليمي لا يُبنى عندما تنعزل الدول عن بعضها، بل عندما تدرك أن مصيرها مرتبط بقدرتها على العمل المشترك وحماية المبادئ التي تحفظ استقرارها.
«الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بما تتحمله من مسؤولية عندما تصبح حماية الاستقرار واجبًا تاريخيًا».
لقد أثبتت السنوات الماضية أن مكانة الدول لا تُصنع فقط بحجم اقتصادها أو ثقلها السياسي، بل بقدرتها على أن تكون عنصر توازن في اللحظات التي تختبر فيها المنطقة قدرتها على الصمود. ومن هنا تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها دولة تنظر إلى الاستقرار بوصفه قيمة استراتيجية، لا مجرد موقف مؤقت تفرضه الظروف.
فالمملكة لا تتعامل مع أمن الخليج بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الرؤية بعيدة المدى؛ إدراكًا منها أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية بحتة، بل أصبح أحد ركائز الأمن العالمي. فالعالم يحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى طرق آمنة لنقلها، وإلى بيئة دولية تحترم القواعد التي تضمن استمرار حركة التجارة.
ومن هذه الحقيقة تنبع أهمية الدور السعودي؛ فالمملكة لا تدافع عن مصلحة خاصة عندما تؤكد على حرية الملاحة وسلامة الإمدادات، بل تسهم في حماية نظام اقتصادي عالمي يعتمد على استقرار هذه المنطقة الحيوية.
إن الفارق بين من ينظر إلى الجغرافيا باعتبارها أداة ضغط، ومن ينظر إليها باعتبارها مسؤولية، هو الفارق بين سياسة تصنع القلق، وسياسة تصنع الثقة. فالدول التي تبحث عن مكانتها عبر زعزعة الآخرين قد تحقق تأثيرًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع بناء احترام دائم؛ أما الدول التي تجعل من الاستقرار أساسًا لسياستها فإن أثرها يمتد أبعد من حدود اللحظة.
«القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الأزمات، بل في القدرة على منع اتساعها، وتحويل المسؤولية إلى طريق لصناعة المستقبل».
إن استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والملاحة الدولية يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة: لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام في ظل استمرار تهديد الجوار، ولا يمكن تحقيق الاستقرار عبر اتفاقات لا تجد طريقها إلى الالتزام العملي.
فالأمن لا يُبنى بالشعارات، بل بالسلوك. والثقة لا تُمنح بالوعود، بل بالمواقف. والعلاقات بين الدول لا تستقر إلا عندما يكون احترام السيادة والقانون الدولي قاعدة ثابتة لا ورقة تفاوضية مؤقتة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بحجم التصعيد، بل بقدرة المنطقة والعالم على إعادة تثبيت القواعد التي تحمي المستقبل: احترام الدول، حماية الممرات البحرية، وضمان أن تبقى طرق التجارة الدولية بعيدة عن منطق التهديد والابتزاز.
الخاتمة
أمن الخليج.. حين يصبح الاستقرار موقفًا تاريخيًا
في نهاية المطاف، فإن ما كشفته الاعتداءات الأخيرة يتجاوز قصة ناقلة استُهدفت أو ممر بحري تعرض للخطر؛ فهي تكشف اختبارًا أعمق يتعلق بمستقبل المنطقة وبقدرة المجتمع الدولي على حماية القواعد التي قامت عليها حركة التجارة والاستقرار.
فالقضية ليست فقط في سفينة تعبر البحر، بل في الثقة التي تجعل مئات السفن تعبر كل يوم، وفي القواعد التي تمنح الاقتصاد العالمي القدرة على الاستمرار. وعندما تتعرض هذه الثقة للاهتزاز، فإن العالم كله يدفع ثمن ذلك الاضطراب.
لقد أثبت التاريخ أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالمسؤولية التي ترافق القوة. فالدول قد تمتلك أدوات التأثير، لكنها تُعرف في ذاكرة الأمم بما تفعله عندما تصبح حماية الاستقرار مسؤولية لا خيارًا.
ومن هنا تتجلى أهمية الدور السعودي؛ فالمملكة العربية السعودية لم تنظر إلى أمن الخليج باعتباره ملفًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من أمن إقليمي ودولي أوسع. ولذلك جاء موقفها قائمًا على حماية السيادة، ودعم الاستقرار، والدفاع عن حرية الملاحة، ورفض كل ما يهدد أمن المنطقة والعالم.
«قد تُرمم السفن بعد العواصف، وقد تُصلح الأضرار بعد الأزمات، لكن بناء الثقة في الممرات الدولية يحتاج إلى دول تؤمن بأن الاستقرار مسؤولية تاريخية، لا مجرد مصلحة عابرة».
إن الدرس الأهم الذي تتركه هذه المرحلة هو أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بقدرة الدولة على إرباك محيطها، بل بقدرتها على أن تكون مصدر ثقة في عالم يبحث عن الاستقرار.
«قد تتغير خرائط السياسة، وقد تتبدل موازين القوة، لكن الدول التي تختار طريق الاستقرار تبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ؛ لأنها لا تدافع عن لحظة عابرة، بل تحمي مستقبل أجيال كاملة».
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي