عبد الله سليمان الطليان
بعد أن ينحت الزمن في ملامح الجسد تجاعيده، ويجفُّ الجلد، وتبدأ القوة في الانحسار شيئًا فشيئًا، يجد الإنسان نفسه يدخل مرحلة جديدة من العمر؛ مرحلة يتراجع فيها صخب الحياة، ويعلو فيها صوت التأمل. يشتعل الشيب في الرأس شاهدًا على نزيف السنين، فنحاول إخفاءه بالأصباغ، وكأننا نستطيع أن نخدع الزمن أو نؤخر مسيره.
نميل إلى العزلة والهدوء، لا لأننا كرهنا الناس، بل لأن الضجيج لم يعد يحتمل، ولأن النفس أصبحت أكثر ميلًا إلى السكون. وتبدأ معركة خفية مع الحواس؛ يضعف البصر، ويثقل السمع، وتخون الذاكرة صاحبها، فنقاوم بكل ما أوتينا من إرادة، لكننا ندرك في النهاية أن هذه معركة لا يُكتب فيها النصر لأحد.
وحين يداهم العقل مرضٌ كالزهايمر، تتشظى الذكريات بين حاضرٍ يبهت، وماضٍ يفرض حضوره بقوة، فتختلط الوقائع بالخيال، وتمتزج الحقيقة بالمبالغة، ويجد الإنسان نفسه يحدث ذاته أكثر مما يحدث الآخرين، وقد ينزلق إلى الهذيان والكلام المتقطع، في مشهد يذكرنا بضعف الإنسان مهما بلغ من قوة، وبأن العقل الذي كان يقود الجسد قد يصبح هو نفسه في حاجة إلى من يقوده ويرعاه.
ومع مرور الأيام، تنحسر القوى، ويخفت وهج الشباب، حتى يجد الإنسان نفسه غارقًا في أفكار يغلب عليها التوجس والخوف من المستقبل. ويشتد هذا الإحساس كلما سمع بخبر رحيل قريب، أو صديق، أو جار، فيدرك أن الموت ليس قصة تُروى عن الآخرين، بل حقيقة تقترب من الجميع بخطى لا تتوقف.
تتدافع الأفكار في الذهن كالسيل الجارف، ويحاول الإنسان أن يهرب منها بالعمل، أو بالانشغال في حديث عابر، أو جدال لا طائل منه، لكنه ما إن يخلو إلى نفسه، ويحل سكون الليل والهجيع، حتى تعود تلك الأسئلة أكثر إلحاحًا؛ فيطول السهر، ويولد الأرق، ويهمس القلب في صمت: لقد ضعفت قواي، وأخشى أن يغزوني المرض، ولا أريد أن تكون خاتمتي معاناة مؤلمة.
غير أن الحقيقة التي نهرب منها لا تتغير؛ فالموت لا يستأذن أحدًا، ولا يفرق بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير. قال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26-27)
وقال سبحانه: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (النساء: 78)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات».
فالإنسان يخشى الموت لأنه يجهل موعده، ويخاف المرض لأنه يذكره بقرب النهاية، لكن الحقيقة الأعمق ليست الموت نفسه، بل سرعة اختفاء الإنسان من الدنيا. فمن كان بالأمس يملأ المجالس حديثًا وضحكًا، ويخطط للمستقبل، ويجمع المال، ويختلف مع الناس، أصبح اليوم تحت التراب، لا يسمع نداءً، ولا يجيب سؤالًا، وانقطعت صلته بالدنيا إلا من عمل صالح، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به.
وما أبلغ قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا».
وقال الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك».
وقال عمر بن عبد العزيز: «إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما».
ولعل الشعراء كانوا أقدر الناس على تصوير هذه الحقيقة، فقال أبو العتاهية:
لدوا للموت وابنوا للخراب
فكلكم يصير إلى ذهاب
وقال المتنبي:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من شأنه ما عنانا
وقال الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس:
«عش كل يوم كأنه الأخير، ولكن اجعله يومًا صالحًا لا يومًا خائفًا».
إن المقابر ليست مجرد أرض تضم الموتى، بل هي أعظم مدرسة للصامتين. ففيها يرقد من كان يظن أن أمامه سنوات طويلة، ومن كان يؤجل التوبة، ومن كان يظن أن المال والسلطان سيمنحانه الخلود. ثم تساوت الأجساد تحت التراب، ولم يبق إلا العمل.
قال تعالى: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49)
وقال سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ? وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 7-8)
إن اختفاء الإنسان تحت التراب ليس نهاية الحكاية، بل بداية الحقيقة. فكم من إنسان مات منذ قرون وما زال حيًا بأثره وعلمه، وكم من إنسان عاش بين الناس طويلًا ثم اختفى كأنه لم يكن.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل واحد منا: عندما يوضع جسدي تحت التراب، ماذا سيبقى مني فوق الأرض؟ أهو عمل صالح، أو كلمة طيبة، أو علم نافع، أو دعاء من ولد بار، أم أنني سأرحل تاركًا خلفي فراغًا لا يملؤه إلا النسيان؟
فالتراب لا يأخذ الجسد وحده، بل يكشف حقيقة الإنسان، ويُسقط كل الأقنعة، فلا يبقى معه إلا ما قدمت يداه. وهنا يدرك المرء أن قيمة الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بالأثر الذي يتركه بعد رحيله؛ فالعمر ينتهي، والجسد يفنى، أما العمل الصالح والكلمة الصادقة والعلم النافع، فهي وحدها التي تبقى شاهدةً لصاحبها يوم يغيب جسده تحت التراب.
غير أن شيخوخة الجسد لا تعني بالضرورة شيخوخة الروح. فقد يضعف البدن، وتنحني القامة، وتثقل الخطى، لكن القلب المؤمن يزداد بصيرة، وتصفو النفس كلما اقتربت من لقاء ربها. وليس معيار القوة في الإسلام صلابة العضلات ولا فتوة الشباب، وإنما حياة القلب، وحسن العمل، وصدق الصلة بالله.
ولهذا كان كثير من الصالحين يزدادون إشراقًا في أعمارهم المتأخرة، لأنهم أدركوا أن ما بقي من العمر أثمن مما مضى، وأن كل يوم يقرّبهم من لقاء الكريم سبحانه، فاستثمروا ما بقي في الذكر، والاستغفار، وإصلاح ذات البين، وبذل الخير، وترك الأثر الطيب. قال الله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 99)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الناسِ مَن طال عمرُه وحسُن عملُه».
فإذا كان الزمن قد سلب الجسد شيئًا من قوته، فإنه يمنح الروح فرصةً لأن تنضج، وتتحرر من أوهام الدنيا، وتوقن أن أجمل ما يودعه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا منصبًا، وإنما قلبٌ عامر بالإيمان، وعملٌ صالح يجري ثوابه، وذكرٌ حسن يبقى على ألسنة الناس بعد أن يغيب الجسد تحت التراب.