باسم سلامة القليطي
يدخل أربعة أصدقاء مطعماً واحداً، يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويقرأون القائمة ذاتها، ثم يطلب كل واحد منهم طبقاً مختلفاً، وقد يشاهدون الفيلم نفسه، فيخرج أحدهم متأثراً، وآخر مندهشاً، وثالث غير مبالٍ. ويستمعون إلى الأغنية ذاتها، فتوقظ في أحدهم ذكرى، وتمر على الآخر مرور العابرين. يبدو الأمر اختلافاً في الأذواق، لكنه في الحقيقة اختلاف في الحكايات التي عاشها كل واحد منهم.
قد يسهل على الإنسان أن يكتب سيرته الذاتية: أين وُلد، وماذا درس، وأين عمل، وما الإنجازات التي حققها. لكن ثمة سيرة أخرى أكثر صدقاً، لا تُكتب بالحبر، بل بالاختيارات. يكفي أن تنظر إلى قائمة أغانيه، والأفلام التي يعيد مشاهدتها، والأطباق التي يطلبها كلما خُيّر، والملابس التي يرتاح إليها، لتقرأ شيئاً من حكايته.
الذوق ليس ترفاً يُضاف إلى الحياة، بل أحد أكثر تعبيراتها عُمقاً، إنه اللغة التي يتحدث بها الإنسان حين يصمت، والمرآة التي لا تعكس ملامح الوجه، بل ملامح الروح.
ليس غريباً أن يتغير رأيك في شخص بعد أن تعرف ما يحب؛ فالأذواق تكشف ما لا تكشفه الأحاديث الرسمية، وتفضح ما تخفيه المجاملات. ولذلك كان سؤال: «ماذا تحب؟» في كثير من الأحيان أهم من سؤال: «ماذا تعمل؟»؛ لأن العمل يخبرنا كيف يعيش الإنسان، أما الذوق فيخبرنا كيف يشعر، وكيف يرى العالم، وما الذي يحرّك قلبه.
فالإنسان لا يختار أغنيته المفضلة اعتباطاً، ولا يقع في حب فيلم أو لون أو نكهة بالمصادفة. وراء كل اختيار قصة، ووراء كل ميل تجربة، ووراء كل تفضيل جزء من تكوين طويل أسهمت في صياغته الأسرة، والمدينة، والأصدقاء، والكتب، والذكريات، والانتصارات، وحتى الخيبات. ولهذا يصبح الذوق بصمة شخصية لا تقل تميزاً عن بصمة الأصابع؛ فقد يتشابه الناس في الملامح، لكن قلّ أن يتشابهوا في الطريقة التي يتذوقون بها الحياة.
غير أن سؤالاً جديداً يفرض نفسه اليوم: هل ما نعتقد أنه ذوقنا هو حقاً ذوقنا؟
في زمن المنصات الرقمية، لم تعد الأغنية تصل إلينا صدفة، ولا الفيلم يرشحه صديق، ولا قطعة الملابس نكتشفها في متجر صغير. أصبحت الخوارزميات تعرف ما أعجبنا أمس، فتقترح علينا ما يشبهه اليوم، ثم ما يشبه ما يشبهه غدا. ومع مرور الوقت، يتحول الذوق من رحلة اكتشاف إلى دائرة مغلقة تدور حول نفسها، لنجد أنفسنا وقد حُرمنا من لذة المصادفة وجمال الاكتشاف.
والأخطر من ذلك أن الخوارزميات لا تفرض علينا ما نحب، بل تُضيّق بهدوء مساحة ما يمكن أن نحبه. فهي تكافئ المألوف، وتكرر الشبيه، حتى نظن أننا نختار بحرية، بينما كثير من اختياراتنا ليس سوى استجابة ذكية لما عُرض علينا آلاف المرات.
ليس الخلل في التقنية نفسها؛ فهي منحتنا فرصة الوصول إلى كنوز معرفية وفنية لم تكن متاحة من قبل. لكن المشكلة تبدأ عندما نستبدل فضولنا باقتراحاتها، ونستبدل الاكتشاف الشخصي بقائمة «الأكثر مشاهدة» أو «الأكثر استماعا». فالذوق الحقيقي يحتاج أحياناً إلى أن يضل طريقه، وأن يجرب ما لا توصي به الخوارزمية، لأن أجمل الاكتشافات كثيراً ما تبدأ خارج المسارات المزدحمة.
من يتأمل الناس قليلاً، يلاحظ أن أذواقهم في المجالات المختلفة نادراً ما تكون منفصلة؛ فهناك إيقاع داخلي يوحدها جميعاً، من يحب الهدوء في الموسيقى، غالباً ما ينجذب إلى الأفلام التي تعتمد على الحوار أكثر من الانفجارات، ويرتاح إلى الملابس البسيطة التي لا تستعرض نفسها، ويستمتع بطبق يعرف مكوناته أكثر من طبق يُبالغ في تزيينه. وفي المقابل، قد تجد من يبحث عن الإثارة في كل شيء؛ في أغانيه، وأفلامه، وألوان ملابسه، وحتى في تجاربه الغذائية.
كأن داخل كل إنسان قائداً خفياً يقود ذوقه في اتجاه واحد، مهما اختلفت المجالات. ولذلك فإن فهم ذوق الإنسان لا يكون بالنظر إلى اختيار واحد، بل بالنظر إلى الصورة كاملة؛ فكما تتناغم آلات الأوركسترا لتصنع لحناً واحداً، تتناغم اختياراتنا اليومية لتصنع شخصية واحدة.
ولسنوات طويلة، تعامل الناس مع الذوق كما لو كان سلّماً طبقيا؛ هناك ذوق رفيع يستحق الإعجاب، وذوق متدنٍ يستحق السخرية. كانت بعض أنواع الموسيقى تمنح صاحبها مكانة اجتماعية، وبعض الأطعمة توحي بالوجاهة، وبعض أنماط اللباس تُعد معياراً للرقي. لكن الحياة كانت أوسع دائماً من هذه الأحكام الجاهزة.
فالإنسان الناضج لا يقيس الآخرين بما يستمعون إليه أو بما يرتدونه أو بما يفضلونه على موائدهم، بل بما يضيفونه إلى الحياة من خُلق وفِكر وإنسانية. وقد يكون في أغنية شعبية صادقة من الدفء ما لا تجده في عمل فني متكلّف، وقد تحمل وجبة بسيطة ذكريات لا تستطيع أفخم المطاعم شراءها، وقد تكون الأناقة في البساطة أكثر منها في المبالغة؛ فالذوق الحقيقي لا يتعالى على الناس، بل يتسع لهم.
ويبقى أن أكثر ما يصنع الذوق ليس الحاضر، بل الذاكرة. نحن لا نحب الأشياء وحدها، بل نحب الزمن الذي حملها إلينا. لسنا نحتفظ بالأغنية لأنها أجمل من غيرها، بل لأنها حفظت نسخةً منّا لم يعد الزمن قادراً على إعادتها. ونعود إلى فيلم قديم لأنه يعيد إلينا ملامح شخص كنا عليه، ونتلذذ بوجبة بسيطة لأنها تحمل رائحة بيت، ونرتدي ثوباً معيناً لأنه يمنحنا شعوراً بالأُلفة قبل أن يمنحنا مظهراً حسنا.
ومع ذلك، فإن أجمل ما في الذوق أنه لا يبقى ثابتاً؛ إنه يكبر كلما كبرنا، ويتغير كلما تغيرت رؤيتنا للعالم. كتاب جيد قد يبدل ذائقتنا، وسفر قصير قد يفتح أعيننا على جمال لم نكن نراه، وتجربة إنسانية واحدة قد تجعلنا نستمع إلى أغنية بطريقة مختلفة، أو نشاهد فيلماً بعين أكثر نضجاً، ولذلك فإن تغير الذوق ليس تنازلاً عن الماضي، بل شهادة على أن الحياة ما زالت تعلمنا.
وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي: «ما الذي يعجبك؟» بل: «ماذا فعلت بك الحياة حتى أصبح هذا يعجبك؟» فهناك تبدأ الحكاية، وهناك تُكتب السيرة التي لا تُدوَّن في الوثائق، بل يوقّعها الإنسان كل يوم باختياراته.